عودة

في مهرجان كان أي سينما يريد المنتج السعودي؟


د. هند السليمان

10/6/2026

في الدورات السابقة، جاء الحضور السعودي في مهرجان «كان» (Cannes Film Festival) حاملًا شيئًا من دهشة البدايات؛ رغبةً ضمنيةً في قول: «نحن هنا أيضًا». أمَّا هذا العام، فقد بدا الأمر مختلفًا تمامًا. كان السعوديون حاضرين بكثافة واضحة، والأهم من العدد طبيعة هذا الحضور نفسه: فرق منظَّمة، لقاءات معدَّة بعناية، وخطاب يتجاوز فكرة الظهور الرمزي إلى لغة صناعة تدرك موقعها جيدًا داخل التحولات العالمية للسينما. في الأحاديث واللقاءات، كان المنتجون وصنَّاع الأفلام السعوديون يتحدَّثون الإنجليزية بطلاقة، ويتحدَّثون كذلك بوعي واضح تجاه واقعهم المحلي، وما يحدث في العالم من حولهم؛ إدراك لطبيعة السوق، وتحولات المنصات، وشكل الجمهور الجديد، ونوعية السينما القادرة على عبور الحدود دون أن تفقد محليتها. وقد تجاوز الخطاب هذه المرة فكرة اكتشاف السعودية سينمائيًّا، وصار يدور حول السؤال الأكثر تعقيدًا: كيف تريد السعودية أن تتموضع داخل السينما العالمية؟ حتى اللغة المستخدمة في تقديم المشاريع كانت تعكس هذا التحول.

جانب من الحضور السعودي المنظَّم في مهرجان «كان» عام 2026

صار الحديث عن «دعم السينما» يجري بوصفه استثمارًا طويل المدى في صناعة كاملة تبحث عن موقعها الاقتصادي والثقافي معًا. وكان هذا الخطاب السعودي في المهرجان داخل سوق (Marché du Film) قائمًا على أرقام حقيقية يجري تقديمها بوصفها دليلًا على أن السعودية أصبحت أكبر سوق سينمائي عربي وخليجي من حيث الإيرادات والحضور الجماهيري. فبحسب الأرقام المتداولة هذا العام من تقارير (Saudi Film Commission) والتغطيات الدولية، بلغت إيرادات شباك التذاكر السعودي في 2025 نحو 920.8 مليون ريال سعودي، بعد أن كانت لا تتجاوز 38.6 مليون ريال في 2018 عند إعادة افتتاح دور السينما. كما وصل عدد التذاكر المباعة إلى 18.8 مليون تذكرة، وهو أعلى رقم يُحقِّقه السوق السعودي منذ إعادة افتتاحه. أما البنية التحتية، فقد تجاوزت 600 شاشة موزعة على أكثر من 20 مدينة، عبر ما يُقارب 65 دار عرض. تحولت هذه الأرقام من مجرد مؤشرات نمو اقتصادي إلى لغة تفاوض جديدة. فالسعودية أصبحت تقدِّم نفسها داخل المهرجان بوصفها سوقَ عرضٍ ضخم، ومركز توزيع إقليمي، وموقع تصوير، وشريك إنتاج قادر على التأثير في مستقبل الصناعة داخل المنطقة. وربما لهذا بدا الحضور السعودي هذا العام مختلفًا: حضور يدخل إلى السينما العالمية بأرقام سوق حقيقية.

اللافت أن الخطاب السعودي أصبح يعتمد على أن السوق بدأ ينتج بدوره أفلامًا محلية قادرة على تحقيق حضور جماهيري واسع. فمثلًا، فيلم «شباب البومب 2 - 2025» حقَّق أكثر من 27 مليون ريال، ليصبح من بين أعلى الأفلام السعودية دخلًا، في إشارة إلى أن الجمهور بدأ -ولو تدريجيًا- في منح الفيلم المحلي مساحة حقيقية داخل السوق، حتى وإن ظلت هذه الثقة مرتبطة غالبًا بالأفلام ذات الإيقاع الجماهيري السريع. وجاء إعلان هيئة الأفلام عن خططها المتعلقة بتمويل يصل إلى 60% من ميزانيات بعض الأفلام ليؤكد أن السعودية أصبحت تقدِّم نفسها كشريك يريد أن يكون جزءًا من تشكيل مستقبل الصناعة في المنطقة. لكن خلف هذا الحضور المنظَّم، بدا واضحًا أن المنتج السعودي أصبح يفكر في طبيعة الجمهور الذي سيشاهد بقدر تفكيره في كيفية صنع الفيلم. فالسؤال الذي يتحرك داخل أغلب النقاشات أصبح: «أي جمهور سعودي يجلس اليوم أمام الشاشة؟ وأي أفلام يمكن أن تجعله يعود غدًا؟».

لغلاف فيلم «شباب البومب 2 - 2025»

من جهة أخرى، يبدو أن المنتج السعودي خلال السنوات الأخيرة أدرك أن الجمهور المحلي لم يعد جمهورًا متجانسًا. فالمشاهد الذي تربَّى على المنصات العالمية، والإيقاع السريع، والتنوع البصري، ليس هو نفسه جمهور التلفزيون التقليدي، ولا حتى جمهور البدايات الأولى لعودة السينما. هناك جمهور شاب يريد أفلامًا سريعة الإيقاع وقريبة من حياته اليومية، وهناك جمهور يبحث عن الترفيه العائلي، وآخر يريد أن يرى ذاته وتحولاته الاجتماعية مُمَثَّلة على الشاشة. ومع اتساع السوق السعودي، لم يعد ممكنًا التعامل مع الجمهور بوصفه كتلة واحدة لها ذائقة ثابتة. لكن -وهذه الـ «لكن» كبيرة ومفصلية هنا- داخل هذا التنوع، لا يزال هناك جمهور عريض ينظر إلى السينما السعودية بحذر، أو ربما بعدم إيمان كامل بقدرتها على إنتاج تجربة سينمائية عميقة وطويلة الأثر. جمهور يرى -مع كامل التقدير للقيمة الفنية والثقافية التي مثَّلها «طاش ما طاش»- أن حدود الترفيه المحلي ما تزال مرتبطة بالاستجابة الفورية: ضحك مباشر، خوف سريع، أو مشاعر مكثفة تنتهي بانتهاء العرض. وربما لهذا تبدو الكوميديا والرعب أكثر الأنواع قدرة على تحقيق النجاح داخل السوق السعودي؛ لأنها تقدِّم استجابة مباشرة للجمهور، دون مطالبته بالبقاء طويلًا داخل الأسئلة التي يتركها الفيلم بعد نهايته.

لقطة من المسلسل الكوميدي «طاش ما طاش»

أمَّا الأفلام التي تتحرك بهدوء، وتترك المشاهد يتأمل نفسه وحياته وعلاقاته بعد الخروج من القاعة، فلا يتقبلها الجمهور السعودي غالبًا إلا حين تأتي من السينما الغربية أو الآسيوية، لا حين يكون الفيلم سعوديًّا. وكأن المشاهد مستعد لمنح الفيلم الأجنبي شرعية فنية لا يمنحها بسهولة للفيلم المحلي. ربما يدرك المنتج السعودي هذه الحساسية جيدًا، لذلك يبدو أحيانًا أكثر ميلًا إلى الأفلام التي تضمن تفاعلًا فوريًّا وعائدًا أسرع، بدلًا من المغامرة بأفلام تحاول بناء لغة سينمائية سعودية أكثر هدوءًا وتعقيدًا وبقاءً في الذاكرة. ومن هنا يمكن فهم طبيعة الحركة الإنتاجية الحالية في السوق السعودي. فالمنتج السعودي يتحرك وفق ما يعتقد أن الجمهور سيكافئه عليه أكثر مما يتحرك وفق ما يريده شخصيًّا. ولهذا تميل كثير من المشاريع إلى الأفلام السريعة التأثير: كوميديا مباشرة، رعب، إثارة، أو أعمال تقوم على الإيقاع العالي ورد الفعل الفوري. والسبب أنه يتحرك داخل سوق لا تزال الثقة فيه بين الجمهور والفيلم المحلي قيد التشكل.

اللافت في الأمر أن علاقة السعوديين بالإنتاج السينمائي ليست جديدة تمامًا كما يُتصوَّر أحيانًا. فقبل عودة دور العرض بسنوات طويلة، كان هناك منتجون سعوديون دخلوا مبكرًا إلى صناعة السينما العربية، خصوصًا في مصر، أبرزهم (صالح الفوزان) و(الإخوة ناقرو) الذين عملوا في الإنتاج السينمائي المصري خلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، وشاركوا في إنتاج عدد من الأفلام التي حقَّقت حضورًا جماهيريًّا فعَّالًا وبعضها كانت أفلامًا جيدة في تلك المرحلة. ربما لا تبدو هذه التجارب حاضرة بقوة في الذاكرة السينمائية السعودية الحالية، لكنها تكشف أن العلاقة السعودية بالسينما كانت حاضرة وتتحرك خارج الحدود المحلية، وفي فضاءات تعرف جيدًا معنى السوق والجمهور والنجاح الجماهيري. هذه الخبرة المبكِّرة منحت بعض المنتجين السعوديين فهمًا عمليًّا لطبيعة الصناعة: كيف يُقرأ الجمهور، وكيف تُحسب المخاطرة، وكيف يُبنى الفيلم بوصفه مشروعًا اقتصاديًا لا فنيًّا فقط. وربما لهذا يبدو جزء من الحراك السينمائي السعودي الحالي واعيًا بالسوق، لكنه حذر تجاه المغامرة الفنية.

وهنا تحديدًا تظهر الشكوى التي تتكرر داخل الأوساط السينمائية السعودية، خصوصًا بين الكتّاب والمخرجين: غياب المنتِج المغامر. فالكثير من العاملين في القطاع يرون أن المنتج السعودي ما يزال يتعامل مع السينما بوصفها مشروعًا استثماريًّا قصير المدى أكثر من كونها مشروعًا ثقافيًّا طويل النَّفَس. ولذلك تتجه الحماسة غالبًا نحو الأفلام المضمونة جماهيريًّا، وتقل تجاه المشاريع التي تحاول بناء لغة سينمائية مختلفة أو تقدِّم سرديات أكثر تعقيدًا وهدوءًا. وربما لا تعني هذه الشكوى أن المنتج السعودي لا يؤمن بالسينما الجادة، بقدر ما تعني أن السوق نفسه لم يمنحها ثقته الكاملة بعد. فالمنتج، في النهاية، يتحرك داخل معادلة صعبة: جمهور يريد المتعة السريعة، وسوق ناشئ يحتاج أرباحًا مستمرة، وصنّاع أفلام يطمحون إلى سينما أعمق وأكثر بقاءً. وبين هذه الأطراف كلها تتشكل ملامح السينما السعودية الحالية بكل تناقضاتها.

ولهذا، ربما يكمن السؤال الحقيقي في شكل السينما التي يريد المنتج السعودي المساهمة في بنائه خلال السنوات القادمة. فكل صناعة سينمائية تصنع أفلامها، وتصنع معها تدريجيًّا ذائقتها، وتعيد تشكيل علاقتها بالجمهور، وتقرر -بوعي أو بدونه- أي نوع من الحكايات يستحق أن يُروى، وأي نوع من المشاهدين تريد أن تخلقه. اليوم يبدو المنتج السعودي واقفًا بين احتمالين: أن يواصل بناء سوق سريع الاستجابة يقوم على الأفلام المضمونة جماهيريًّا، أو أن يغامر تدريجيًّا نحو سينما أكثر هدوءًا وتعقيدًا، سينما تتجاوز تحقيق الإيرادات وتترك أثرًا طويلًا في الذاكرة. وربما تكمن المشكلة في مدى قدرة الصناعة على إيجاد توازن بينهما؛ بين فيلم ينجح لحظة عرضه، وفيلم يبقى حاضرًا بعد سنوات من مشاهدته.

فالسينما السعودية لا تبدو اليوم أمام أزمة إنتاج أو تمويل بقدر ما تبدو أمام سؤال يتعلق بالخيال والرؤية: أيّ صورة للمجتمع السعودي يريد المنتج أن يراها على الشاشة؟ وأيّ جمهور يتخيله في المستقبل؟ جمهور يبحث فقط عن الضحك والخوف السريع، أم جمهور يمكنه أيضًا أن يتأمل نفسه، ووحدته، وتحولاته، عبر أفلام محلية لا تقل عمقًا أو حساسية عن تلك التي يأتي بها من الخارج؟ وربما عند هذه النقطة تحديدًا سيكون مستقبل السينما السعودية مرهونًا بنوعية المخاطرة التي يجرؤ المنتج السعودي على خوضها.