شارك
لم يكن العنوان أعلاه وليد مشاهدة فيلم «حكايات متوازية - 2026» (Histoires Parallèles)، بقدر ما كان وليد أثرٍ سابق عليها؛ أثر صنعه العرض الدعائي الذي أوحى منذ لحظاته الأولى بأننا أمام عمل يشتغل على التوتر الأخلاقي، وعلى لعبة النظر والمراقبة بوصفهما مرآةً لقلق الإنسان المعاصر وفراغه الداخلي. بدا المقطع التشويقي وكأنه يَعِد بفيلم يتجاوز الحكاية إلى مساءلة أعمق: ماذا يفعل الإنسان حين تصبح مراقبة حياة الآخرين تعويضًا عن عجزه عن عيش حياته الخاصة؟ غير أن مشاهدة الفيلم نفسه دفعت إلى مراجعة هذا التصور، بل إلى الشك في صلاحية العنوان ذاته، لأن العمل لم يحقِّق تمامًا ما وعد به خطابه البصري، ولم يوفِّر ذلك العمق المتدرِّج الذي اعتادت سينما (أصغر فرهادي) أن تبنيه من التفاصيل الصغيرة والانزلاقات الأخلاقية الدقيقة. ومن هنا تبدأ هذه القراءة من خيبة التوقع؛ باعتبارها مدخلًا نقديًّا يكشف المسافة بين صورة الفيلم المتخيَّلة قبل المشاهدة وصورته الفعلية بعد اكتمالها، في محاولة للاقتراب من الفيلم كما أراده مخرجه أن يصل إلينا كجمهور ونقَّاد.
غلاف فيلم «حكايات متوازية - 2026» (Histoires Parallèles)
المشكلة الأساسية في الفيلم ليست في أنه مختلف، بل في أنه مختلف من دون أن ينجح في تأسيس بديله الجمالي المقنع. فبدلًا من ذلك التوتر المتصاعد الذي ميَّز أفضل أعمال فرهادي، تبدو الحركة السردية هنا مترددة في العثور على مركزها الدرامي؛ تتقدم ثم تتراجع، تُلمِّح ثم تتخلَّى، حتى يفقد المتفرج ذلك الخيط الخفي الذي كان ينتظر أن يقوده نحو مأزق أخلاقي واضح المعالم. لهذا لم يكن غريبًا أن تصف بعض المراجعات النقدية في مهرجان «كان» الفيلم بأنه «misfire»، أو تعثُّر واضح لمخرج كبير، وأن تشير إلى افتقاده التوتر الداخلي الذي كانت تَعِد به مادته الحكائية. بعض القراءات ذهبت أبعد من ذلك، معتبرة العمل مُثقلًا ومفكَّكًا رغم قوة طاقمه التمثيلي. وهذا النوع من الاستقبال لا يلغي قيمة الفيلم أو أهمية التجربة، لكنه يضعها داخل سياق خيبة جماعية، وليست مجرد خيبة شخصية مرتبطة بذائقة فردية.
لفهم ما يحاول فرهادي قوله هنا، تبدو العودة إلى تجربته السابقة أمرًا ضروريًّا، لأنها ما تزال واحدة من أكثر التجارب تماسكًا في السينما المعاصرة. لقد بنى فرهادي عالمه على اقتصاد سردي شديد الدقة، حيث تأتي الدراما من اليومي حين يحيد قليلًا عن انتظامه المعتاد ويختل. في أفلام مثل «انفصال - 2011» (A Separation)، و«البائع - 2016» (The Salesman)، و«بطل - 2021» (A Hero)، تتحول التفاصيل العابرة إلى عُقد أخلاقية، ويصبح نقص المعرفة وسوء الفهم وتضارب الروايات هو المحرِّك الحقيقي للتوتر. هذه القدرة على استخراج أزمة أخلاقية من حياة تبدو عادية هي ما صنعت خصوصية فرهادي، وجعلت المشاهد لا يتابع الحكاية فقط، بل يشارك في إعادة تركيبها أخلاقيًّا ونفسيًّا. كما أن فرهادي كان دائمًا مُخرجًا يعرف كيف يصغي إلى المكان الاجتماعي والثقافي الذي يصنع فيه فيلمه، وشخصياته تعيش داخل نسيج من اللغة والعادات والطبقات والإشارات اليومية التي تمنح الصراع مصداقيته الداخلية. لذلك فإن نجاحه كان قائمًا على تلك الحساسية الثقافية الدقيقة التي تجعل من كل تفصيلة صغيرة دلالةً محتملة، أكثر من قيامه على الحبكة وحدها. وحتى حين غادر إيران في تجاربه الأوروبية، كما في فيلم «الماضي - 2013» (The Past)، حافظ على هذه الآلية، وإن بدرجات متفاوتة من النجاح. وهنا تحديدًا تتضح أزمة فيلمه الأخير: هل ما تزال أدواته القديمة قادرة على العمل داخل فضاء ثقافي مختلف؟ أم أن انتقاله الجغرافي دفعه إلى منطقة لم يعد يملك فيها الحساسية نفسها تجاه المكان الجديد؟ لطالما ارتبط اسم أصغر فرهادي بسينما الأخلاق الرمادية، حيث تتكشف الدراما من خلال التفاصيل اليومية لا عبر الصدمات الكبرى، وتتراكم التوترات عبر سوء الفهم ونقص المعرفة وتضارب وجهات النظر. غير أن فيلمه الأخير، كما ظهر في عرضه بمهرجان «كان»، يبدو وكأنه يبتعد عن هذه البنية المحكمة، متَّجهًا نحو شكل أقل انضباطًا، وأقرب أحيانًا إلى التفكُّك والتجريب غير المكتمل. وهنا تطرح مسألة «الهوية السينمائية» نفسها بإلحاح: هل نحن أمام تطور طبيعي لمخرج يحاول تجاوز حدوده السابقة؟ أم أمام فقدان مؤقت للبوصلة نتيجة الارتحال الجغرافي والثقافي؟
لقطة تُظهر المخرج (أصغر فرهادي) وهو يوجِّه بطلة فيلم «حكايات متوازية - 2026» (Histoires Parallèles) أثناء التصوير
في هذا السياق، تبدو ندوة «The Power of Place» التي أُقيمت في الجناح الياباني بمهرجان «كان» شديدة الصلة بهذه القراءة. الفكرة الأساسية للندوة كانت أن المكان قوة بنيوية تُشكِّل السرد والإيقاع والإحساس بالواقع. وهذه الفكرة تحديدًا تفتح بابًا مهمًّا لفهم مأزق الفيلم: ماذا يحدث حين يفقد المخرج المكان الذي تشكَّلت داخله أدواته الجمالية والثقافية؟ في أعمال فرهادي السابقة كان المكان الإيراني بنية حيَّة تُنتج اللغة والعلاقات والإيقاع النفسي للشخصيات. أمَّا هنا، فيبدو المكان الجديد أقل قدرة على التحول إلى عنصر فاعل داخل الدراما، وأكثر شبهًا بسطح خارجي جميل لكنه غير مندمج تمامًا في الروح الداخلية للفيلم. من هذا المنظور، يمكن القول إن أزمة الفيلم تكمن في عدم نجاحه الكامل في تحويل المكان الجديد إلى شريك درامي حقيقي. فقوة المكان، كما أشارت الندوة اليابانية، تذكِّرنا بأن السينما لا تُصنع في الفراغ، وأن المخرج حين يغادر بيئته الأولى يحتاج إلى إعادة اختراع علاقته بالعالم الجديد بدلًا من مجرد نقل أدواته القديمة إليه. وربما هنا يقع فرهادي في مأزق التجربة العابرة للثقافات: لا هو احتفظ بأدواته السابقة بالكامل، ولا هو نجح بعدُ في ابتكار أدوات بديلة تتلاءم مع البيئة الجديدة.
ولعل هذا ما يفسِّر أيضًا الارتباك الأسلوبي الواضح في الفيلم. ففرهادي، الذي تشكَّلت هويته السينمائية داخل الواقعية الدقيقة، يحاول هنا الاقتراب من الحلم والهلوسة واللاواقعية والفانتازيا النفسية. إنها منطقة مختلفة تمامًا عن العالم الذي صنع مجده الفني. لهذا بدا الفيلم أحيانًا وكأنه تجربة أُولى لمخرج لا يزال يختبر صوته وأدواته الجديدة. حتى عنوان الفيلم «حكايات متوازية» (Histoires Parallèles) يوحي باتساع سردي لا يتحقق فعليًّا، إذ لا يقدم سوى حكايتين متجاورتين يفصل بينهما شارع، لا شبكة درامية معقَّدة من الحكايات كما يوحي العنوان. الجزء الأول من الفيلم بدا متماسكًا نسبيًّا، قبل أن يدخل العمل في نصفه الثاني منطقة أكثر ارتباكًا، وكأن المخرج يعيد الحكاية نفسها من زاوية أخرى من دون أن ينجح في ضبط الإيقاع أو تحويل هذا التكرار إلى بنية دلالية مقنعة. وربما لهذا السبب تحديدًا بدأ بعض الجمهور في مغادرة القاعة بعد مرور أكثر من نصف زمن العرض؛ تعبيرًا عن انقطاع العلاقة بين الفيلم ومتلقيه.
أما مفهوم التلصُّص، الذي شكَّل أساس العنوان الأول لهذه القراءة، فهو الخيط الأخير الذي يستحق التوقف عنده. فالفيلم، كما يوحي المقطع التشويقي وكثير من المراجعات النقدية، يتمحور حول النظر والمراقبة وما يتفرَّع عنهما من رغبة وريبة وقلق أخلاقي، غير أن التلصُّص هنا يبقى فكرة معلَّقة. يريد الفيلم أن يقدِّمه بوصفه استعاضة وجودية عن خواء الحياة اليومية، لكنه لا يطوِّر هذا المعنى إلى بنية سينمائية متماسكة. فبدلًا من أن يتحول النظر إلى معرفة، والمعرفة إلى أزمة، تبقى اللعبة البصرية نفسها غير مكتملة، وكأن الفيلم يلمِّح إلى سؤال أكبر من قدرته على صياغته.
لقطة من فيلم «حكايات متوازية - 2026» (Histoires Parallèles)
لهذا فإن السؤال النقدي الحقيقي هو ما إذا كان فرهادي قد نجح في تحويل التلصُّص إلى جهاز سردي ومعرفي فاعل أم لا. والراجح، في هذا الفيلم تحديدًا، أنه لم ينجح بالكامل. فالتلصُّص بقي أثرًا من الفكرة أكثر مما أصبح قوة من قوى الفيلم، وبقي العنوان أقرب إلى وعد جمالي منه إلى تحليل سينمائي مكتمل. وهكذا تنتهي القراءة إلى هذه النتائج: الفيلم خيَّب الأمل لأن فرهادي خرج من المنطقة التي كانت تمنحه أدواته الأكثر قوة، والمكان الجديد لم يتحوَّل بعد إلى طاقة درامية حقيقية، والتلصُّص نفسه بقي مفهومًا جذَّابًا على مستوى الخطاب الدعائي لكنه أقل إقناعًا على مستوى التجسيد السينمائي.
ومع ذلك، ربما يكون من الظلم اختزال التجربة كلها في لغة الخيبة وحدها. فوظيفة الناقد السينمائي أن يتجاوز تقييم الفيلم بالنجوم وإصدار الأحكام النهائية السريعة، وأن يحاول فهم ما تعثَّر داخل العمل بقدر فهمه لما نجح فيه. وربما يستحق فيلم فرهادي مشاهدة أخرى، بعد التحرر من ثقل التوقعات المسبقة المرتبطة باسم مخرجه. ولعلنا هنا نتذكر تجربة (فيروز) حين قررت المغامرة وتقديم ألبوم «كيفك إنت» مع ابنها (زياد رحباني)؛ حينها تعرَّض العمل لنقد واسع لأنه بدا خروجًا حادًّا عن الصورة الكلاسيكية التي اعتادها الجمهور، لكن الزمن كشف لاحقًا قيمة تلك المغامرة الفنية، التي كانت شجاعة في كسر التخشب داخل هوية فنية مستقرة ومُمَجَّدة.
وربما هذا بالضبط ما يحاول فرهادي فعله الآن: الانتقال من واقعيته الصارمة إلى منطقة أكثر سيولة ولاواقعية وتجريبًا. قد لا يكون التحول مكتملًا بعد، وقد تبدو أدواته الجديدة مرتبكة، لكن مجرد الرغبة في خوض هذه المغامرة يظل أمرًا يستحق التوقف عنده. فالهوية الفنية كائن حي يتغير مع الزمن والمكان والتحولات الشخصية. فرهادي اليوم لا يعيش في إيران، وبالتالي فهو يتنفس هواءً مختلفًا، ويتحرك داخل يوميات مختلفة، ويختبر ثقافة أخرى. أليس من الطبيعي إذن أن تتغير حساسيته السينمائية تبعًا لذلك؟ وربما يحاول فرهادي في هذا الفيلم التعرف إلى هذا التحول للمرة الأولى عبر التجريب نفسه، حتى وإن جاء هذا الاكتشاف مرتبكًا وغير مكتمل.
