شارك
في مهرجان كان السينمائي «Cannes Film Festival»، تتجاوز السينما حدود صناعة الأفلام لتصبح طريقة كاملة لرؤية العالم وإعادة تأمله. ففيه تُختبر الأعمال الفنية، وتُختبر معها قدرة الصورة على أن تكون شكلًا من أشكال الوعي. وربما لهذا يبدو المهرجان، في لحظات كثيرة، كأنه مساحة يعيش فيها العالم داخل شاشة كبيرة: الأحاديث الممتدة أمام القاعات، الوجوه الخارجة من العروض وهي تحمل علامات الارتباك أو النشوة، النقاشات الليلية التي تستمر كأنها امتداد غير معلن لما حدث داخل الشاشة. من هذه الزاوية تبدو السينما وسيلة لإعادة ترتيب الواقع ليصبح أكثر قابلية للرؤية والفهم، ويتضح أن وصف السينما بأنها «الحلم الأكثر يقظة» أكثر من مجرد استعارة شاعرية. فالسينما، مثل الحلم، تتحرك عبر الصورة والرمز والإيحاء، لكنها على خلافه تظل واعية بأدواتها وبالأثر الذي تصنعه. إنها تُبنى بعناية شديدة، كأنها حلم يُدرك نفسه بينما يتشكَّل.
لقطة من مهرجان «كان» السينمائي عام 2026 في دورته الـ 79
ولعلنا نعي أن العلاقة بين السينما والحلم واحدة من أكثر العلاقات التصاقًا منذ بدايات الفن السابع. فقد رأى الناقد الفرنسي (أندريه بازان) أن السينما تحمل حلم الإنسان القديم بإعادة بناء العالم عبر الصورة، وهي الفكرة التي طوَّرها في مقاله الشهير «أسطورة السينما الكاملة». بالنسبة إلى بازان، تجاوز تطور السينما حدود التقدم التقني ليصبح تعبيرًا عن رغبة إنسانية عميقة في خلق صورة تحتفظ بالواقع والزمن والحياة كما هي، وكأن الإنسان يحاول، عبر الفيلم، أن يؤجِّل الفقد قليلًا وأن يقاوم زوال الأشياء. وفي السياق ذاته، رأى (لويس بونويل) أن السينما هي الوسيط الأقرب للتعبير عن حياة اللاوعي والأحلام، بينما كتب (إنغمار برغمان) عبارته الشهيرة: «السينما كالحلم... السينما كالموسيقى. لا يوجد فنّ يَعْبر وعينا بالطريقة التي تفعل بها السينما ذلك، فتصل مباشرةً إلى مشاعرنا، إلى أعماق الغرف المظلمة في أرواحنا». وربما لهذا شعر كثيرٌ من كبار المخرجين أنهم يصنعون أفلامًا ويطاردون فيها أحلامهم الشخصية في آنٍ واحد، ويحاولون تحويل هواجسهم وذكرياتهم الداخلية إلى صور قابلة للمشاركة مع الآخرين. فالفيلم، من هذا المنطلق، يصبح تجربة شعورية تتسلَّل إلى الداخل بالطريقة نفسها التي يتسلَّل بها الحلم إلى النفس.
ولعل هذا ما يجعل السينما شبيهة بالحلم إلى هذا الحد؛ فهي لا تعتمد على الشرح المباشر بقدر اعتمادها على التداعي البصري والانفعال والإيقاع الداخلي للصورة. فكما يتحرك الحلم عبر التكثيف والإزاحة والرموز، تتحرك السينما عبر المونتاج، والإضاءة، وحركة الكاميرا، وبناء الصمت، والكلام. غير أن الحلم يحدث داخل النفس بلا رقابة واعية، بينما يعرف الفيلم أدواته جيدًا؛ يعرف كيف يقود العين والعاطفة، وكيف يعيد ترتيب الزمن والانفعال داخل بناء محسوب بدقة. ولهذا فإن السينما لا تُقلِّد الحلم بقدر ما تُعيد تأليفه: تمنحه شكلًا وإيقاعًا وحدودًا، ثم تترك باب التأويل مفتوحًا أمام المتلقِّي.
ثمَّة شيء يحدث داخل قاعة السينما يصعب تفسيره بالكامل. فالمشاهد يبقى جالسًا في مقعده، مدركًا تمامًا لوجوده داخل قاعة مظلمة، لكنه في الوقت نفسه ينسحب تدريجيًا من واقعه اليومي ليدخل إيقاعًا نفسيًّا آخر. لا يفقد وعيه، لكنه يعلِّقه مؤقتًا، كأن الفيلم يفتح مسافة رخوة بين الإنسان والعالم تسمح للرغبات والذكريات والمخاوف بأن تطفو إلى السطح بهدوء. وربما لهذا تبدو التجربة السينمائية شبيهة بالحلم؛ إذ تمنح الإنسان فرصة نادرة لرؤية ذاته من الخارج، دون أن تُفقده سيطرته.
وربما لهذا السبب ارتبطت أعمال بعض كبار المخرجين بمحاولة مطاردة أحلامهم الشخصية وتحويلها إلى صور. فسينما (فيدريكو فيلليني) بدت وكأنها إعادة بناء دائمة لأحلام الطفولة والذاكرة والرغبات المختلطة بالهواجس؛ حيث يتحول الواقع إلى عرض بصري أكثر حرية وذاتية. وقد عُرف فيلليني فعلًا باحتفاظه بدفاتر يُسجِّل فيها أحلامه ليستعيدها لاحقًا داخل أفلامه. أمَّا (أندريه تاركوفسكي) فتعامل مع الحلم بوصفه طريقًا لفهم الزمن والذاكرة والإيمان والفقد. ولهذا جاءت أفلامه أقرب إلى حالات تأملية مُعلَّقة بين الواقع والرؤيا، وكأن السينما عنده لا تشرح العالم بقدر ما تكشف طبقاته الخفية.
وفي سينما (أكيرا كوروساوا) كان الحلم مواجهة أخلاقية مع الواقع. ففي فيلمه «أحلام - 1990» (Dreams) تتحول الأحلام إلى مساحة تكشف خوف الإنسان وذاكرته وقلقه من الحرب والدمار، وكأن الحلم يعيد الواقع إلينا بصورة أكثر صفاء وقسوة في الوقت نفسه.
لقطة من فيلم «أحلام - 1990» (Dreams) لـ أكيرا كوروساوا، تُظهر الضابط أمام أشباح جنوده الذين أرسلهم إلى الموت
أمَّا (ديفيد لينش) فقد بنى عالمه السينمائي على منطق الحلم ذاته؛ حيث تتفكك الحدود بين الواقع والرغبة والكوابيس، ليصبح الغامض وغير المنطقي أقرب إلى الحقيقة النفسية من الواقع الظاهر نفسه.
غير أن السينما لا تكتفي بأن تحلم. إنها، على نحو ما، تدرك أنها تحلم. فالحلم الطبيعي يحدث دون أن يعي ذاته، بينما يعرف الفيلم أدواته جيدًا؛ يعرف كيف يصنع الانفعال، وكيف يقود العين، وكيف يعيد تشكيل العاطفة داخل بناء فني واعٍ. ولهذا فإن السينما الحقيقية تتجاوز إثارة المشاعر إلى الكشف عن البنية النفسية الكامنة خلفها: الرغبة، والخوف، والفقد، والذنب، والتوق الإنساني الدائم إلى الخلاص. وحين تصل السينما إلى هذا المستوى، فإنها تتحول إلى مساحة لقراءة الذات الفردية والجماعية معًا. فالشخصيات تتجاوز تمثيل الأفراد إلى تجسيد حالات نفسية وثقافية، والتوترات السردية تتخطَّى وصف الأحداث لتكشف الصراع بين ما نعلنه وما نخفيه، وبين ما نريده وما نخشاه. وربما لهذا تبدو السينما فنًّا قادرًا على الجمع بين الشعبية والعمق في آن واحد؛ فهي تصل إلى الجميع لأنها تخاطب مناطق مشتركة في النفس البشرية، لكنها تبقى قابلة للتأويل المتجدد لأنها لا تمنح معناها دفعة واحدة.
وفي هذا السياق تحديدًا، يكتسب مهرجان كان معناه الرمزي الأوسع. فهو فضاء ثقافي تتقاطع فيه الأسئلة الجمالية مع أسئلة الهوية والسياسة والذاكرة، ويتجاوز كونه منصة لعرض الأفلام. هنا تتحول الأفلام إلى مؤشرات على مزاج العالم وتحولاته، بحيث تُقاس قيمة العمل بجودته الفنية وبقدرته على حمل أسئلة عصره والتعبير عنها بصريًّا. ولهذا يبدو المهرجان أحيانًا كمرآة للوعي العالمي؛ مرآة تعكس ما هو ظاهر وتكشف معه ما يظل مختبئًا تحت سطح الصورة واللغة.
ومن داخل هذا المشهد العالمي، يمكن قراءة الحضور السعودي في كان بوصفه لحظة ثقافية لافتة تعكس حراكًا سينمائيًا يتشكَّل بثقة متزايدة عامًا بعد عام. فالسينما السعودية، رغم حداثة تجربتها نسبيًّا مقارنة بتاريخ سينمات عالمية عريقة، استطاعت خلال فترة قصيرة أن تبني حضورًا متناميًا ومثيرًا للاهتمام. وربما تكمن جمالية هذه المرحلة في أنها تبدو منشغلة ببناء تجربتها بتدرج ووعي وفضول حقيقي تجاه معنى السينما نفسها، بدلًا من القفز سريعًا نحو صورة مكتملة، فالسينما لغة وثقافة وخبرة إنسانية طويلة التراكم.
وما يبدو مبشِّرًا فعلًا يتجاوز وجود الأفلام السعودية في المهرجانات الكبرى إلى طبيعة الحراك نفسه: الحضور السعودي الكثيف والمنظَّم، والاهتمام المتزايد بفهم السينما بوصفها لغة وثقافة وصناعة، والحماس الذي يمكن ملاحظته لدى المشاركين، سواءً من صناع الأفلام أم من الجمهور المهتم والمتابع. فثمَّة رغبة حقيقية في التعلم، والمشاهدة، والنقاش، وتطوير الأدوات، لا مجرد الرغبة في الظهور العابر أو الاحتفاء اللحظي.
جناح المملكة في مهرجان كان السينمائي
وكل هذا يُشير إلى أن هناك خيالًا سينمائيًّا يتكوَّن بهدوء، وأن فكرة «الفيلم السعودي» أصبحت مشروعًا جماعيًّا يحاول أن يجد لغته ومكانه، بعدما كانت احتمالًا بعيدًا أو حماسًا عابرًا. وحين نتحدث هنا عن «الحلم السعودي»، فنحن لا نقصد غياب الأفلام السعودية أو غياب التراكم الذي تحقَّق بالفعل خلال السنوات الماضية، بل نقصد البحث عن ملامح هوية سينمائية أكثر وضوحًا وتميزًا؛ هوية تمتلك صوتًا بصريًّا قادرًا على التعبير عن حساسية خاصة ورؤية مختلفة للعالم، تتجاوز كونها امتدادًا للنموذج الفرنسي أو الأمريكي أو الإيراني.
ولعل أهمية هذه المرحلة لا تكمن في عدد الجوائز أو حجم الاعتراف الدولي بقدر ما تكمن في تشكل الحساسية السينمائية نفسها: أن يصبح للسينما جمهور ينتظرها، وصناع يفكِّرون بها بوصفها وسيلة للتعبير والتأمل، لا مجرد فرصة للإنتاجية المؤقتة. وربما لهذا يبدو الحضور السعودي في مهرجان كان أشبه بلحظة وعي جماعي تتشكل ببطء، تعبِّر عن رغبة حقيقية في العثور على لغة ترى العالم من الداخل، وتضيف إلى صورته شيئًا جديدًا، بعيدًا عن أي حلم ساذج بالوصول.
