عودة

كلاسيكيات السينما.. بحث في ضرورة المشاهدة


محمد عبد الرحمن

26/04/2026

خلال السنوات الأخيرة باتت معظم المهرجانات الدولية والعربية مُهتمة بعرض العديد من الأفلام المرمَّمة، والترميم هنا يعني عرض نسخة من فيلمٍ قديمٍ مُنتشرٍ عبر الفضائيات بالفعل ويحفظ المتفرجون حواره جملةً جملة، ومَشَاهده لقطةً لقطة، لكن غالبيتهم لم يتابعوه داخل قاعة سينما بنسخة مُحسَّنة بأحدث تقنيات معالجة تأثير الزمن على شريط الفيلم. هذا النشاط تعامل معه الكثيرون بعاطفية، باعتباره فرصة لا تُعوَّض لمشاهدة فيلم شهير على شاشة سينما كبيرة، خصوصًا لو أن نُسخ العرض التلفزيوني تعرَّضت لمقص الرقيب من هنا أو هناك، فما أجمل أن تشاهد فيلمًا كلاسيكيًّا على شاشة سينما بعد عقود من طرحه لأول مرة، كأنك تجلس مع المشاهدين الأوائل داخل قاعة السينما لا أمام التلفاز في منزلك، فهي تجربة مُغايرة بالتأكيد والإقبال عليها مُبرَّر.

عرض الأفلام الكلاسيكية من أبرز نشاطات مهرجان البحر الأحمر

لكن «النوستالجيا» ليست هي السبب الأوحد لمشاهدة الأفلام الكلاسيكية مرارًا وتكرارًا، ربما تكون الأسباب العاطفية والنفسية والاجتماعية مرتبطة بالمشاهدين في تصنيفهم العام، أما متخصصو السينما مِن صُنَّاع ونُقَّاد ومُحلِّلين ومؤرخين فلديهم دوافع مِهنية بالأساس، فتُصبح مشاهدة الأفلام الكلاسيكية بالنسبة لهم ضرورة، وليست فقط نشاطًا اختياريًّا يمكن الاستغناء عنه.

إشكالية التعريف

قبل الولوج إلى سمات هذه النوعية من الأفلام ومعرفة أسباب ضرورة مشاهدتها، نقف أولًا عند سؤال لا توجد له إجابة نموذجية: ما هي قائمة الأفلام الكلاسيكية التي يجب على المتفرج أن يُشاهدها ليكون بذلك قد اطَّلع على كلاسيكيات السينما العالمية؟ والأمر نفسه ينطبق على كلاسيكيات السينما العربية.

يمكن القول إن عدم وجود إجابة حاسمة لهذا السؤال هو أمر يعكس الفلسفة وراء مصطلح «العمل الكلاسيكي» والتي تجعله طوال الوقت مجالًا للمناقشة والتأمل، لأن الفيلم الكلاسيكي باختصار هو «كلاسيكي» من وجهة نظر مشاهديه التي لا يحقُّ لهم فرضها على الآخرين، ولا توجد في صناعة الإبداع بوجه عام سُلطة قادرة على جعل حقيقة بعينها هي المطلقة، وهو ما يُفسِّر إشكالية تعريف الفيلم الكلاسيكي نفسه والتي سنعرض لها بعد قليل. لكن حسمًا للنقطة السابقة، فإنه لا توجد قائمة مُتَّفَق عليها للأفلام الكلاسيكية، لا عالميًا ولا عربيًّا، لأن وجهة النظر المرتبطة بتلك الأفلام تختلف من جيلٍ إلى آخر، مع الاعتراف بأن هناك أفلامًا بعينها هي الأكثر تكرارًا في معظم القوائم، لكن هذا لا يعني أنها سَتَخْلُد فيها. قد تكون هناك أفلامٌ غير مشهورة يراها بعض المشاهدين أعمق وأجدر بالتقدير، كما أن صفة «الكلاسيكي» نفسها ليست حُكمًا أبديًّا، فما نراه اليوم من الكلاسيكيات قد يُغادر قائمة الكلاسيكيات مُستقبلًا، ويُمكن أن تخرج من دور العرض أفلام في عصرنا الحالي وتتحوَّل إلى كلاسيكيات بعد عقدين أو ثلاثة.

وبالنظر إلى قائمة (IMDB Top 250 movies) التي تُعدُّ من أبرز قوائم الكلاسيكيات عبر الإنترنت حاليًا وتعتمد على تصويت الجمهور، سنجد أن أول فيلم بها هو «الخلاص من شاوشانك» (The Shawshank Redemption)، من إنتاج عام 1994، أي في العقد الأخير من القرن العشرين، والسينما وقتها كانت على وشك الاحتفال بمرور 100 عام على عرض أول فيلم تجاري، فيما الفيلم رقم 119 في القائمة هو «متروبوليس» (Metropolis)، من إنتاج عام 1927، بالتالي لا علاقة لمعيار القِدم بكون الفيلم أكثر كلاسيكية. والأهم في هذه القائمة التي ننصح بالاطّلاع عليها باستمرار، أنها مُتغيِّرة حسب أصوات المتابعين الذين قد يتحمسون لفيلم جديد ويعطونه تقييمات تدفعه سريعًا لقائمة أفضل 250 فيلمًا. وغني عن القول إن معظم الأفلام غربية، ومن ثم فإننا نفتقد في عالمنا العربي قائمةً مُماثلة، حيث إن مثل هذه القائمة بحاجة إلى نظام تصويت يتفادى أي خلافات أو اعتراضات معتادة في هذا المضمار.

بالعودة إلى إشكالية التعريف، يُعرِّف قاموس أكسفورد «الكلاسيكي» بأنه الشيء العريق والقديم والمنتمي للطراز الأول، بينما الأفلام الكلاسيكية حسب القاموس نفسه هي تلك التي تكون «مقبولة على نطاق واسع، وتقليدية في الأسلوب أو الفكرة». لكن هل يعني هذا أن الأفلام التجريبية من المُستحيل أن تصبح لاحقًا "كلاسيكية"؟ هذه جدلية أخرى، فبناءً على ما سبق قد يُصنَّف فيلمٌ ما تجريبيًّا عند عرضه لأول مرة، لكن بمرور الوقت يصبح هو الأول في طراز يتراكم باستمرار، مما يجعل هذا الفيلم يتحوَّل إلى عمل كلاسيكي في مجاله.

من جانبه يذهب الناقد (أمير العمري) في مقدمة كتابه «كلاسيكيات السينما العالمية» إلى أن للكلاسيكيات أكثر من وجه، وأكثر من تعريف، وكلها تعريفات تقوم على الاجتهاد. ولكن الكثير من هُواة السينما، بل وحتى المشتغلين بها، يعتقدون أن الكلاسيكيات هي الأفلام القديمة الصامتة فقط، وهذا غير صحيح على الإطلاق، بل هي في الحقيقة الأفلام الصامتة والناطقة، القديمة والحديثة. ويضع العمري معيارًا لافتًا لقياس مدى كلاسيكية الفيلم بقوله: «العبرة ليست بعمر الفيلم، بل بقدرته على الصمود في وجه الزمن، أو بتأثيره الذي يتغلغل في ذاكرة المشاهدين ويدفعهم إلى العودة للمشاهدة مرة بعد أخرى، وفي كل مرة تزيد متعة المشاهدة، ويكتشف المشاهد سواءٌ أكان الباحث والناقد والمتخصص، أم الهاوي، شيئًا جديدًا في الفيلم الذي يشاهده، شيئًا لم يلحظه من قبل».

سمات الفيلم الكلاسيكي:

إذا كان للفيلم الكلاسيكي تعريفات متعددة، وإذا كان التعدد طال أيضًا قوائم أهم الأفلام الكلاسيكية، فالعكس حدث مع سمات الفيلم الكلاسيكي، حيث تكرَّرت في الكثير من الأدبيات والدراسات سمات محددة تشترك في تكرارها الأفلام الكلاسيكية وإن تفاوتت النسب ووجهات النظر أحيانًا بكل تأكيد.

  • الثراء الفني

  • يُعدُّ الثراء الفني في مقدمة السمات التي تُميّز هذه الفئة من الأفلام، وحسب أمير العمري ينعكس هذا الثراء في الشكل واللغة وعناصر السينما وقدرة صناع الفيلم على صياغة عمل مؤثِّر ومُبتَكر، يمتلك كثيرًا من مظاهر الدهشة والجمال، وعادة ما تكون تلك الأفلام مُتخمة بالتفاصيل الفنية التي تعكس اهتمام صانع الفيلم بجودة كل لقطة، من حيث الأداء والديكور والصوت والإكسسوار وباقي التفاصيل الفنية، وبالطبع ينطلق ذلك كله من سيناريو مكتوب بعناية، حتى إنَّ عبارات الحوار تَخْلُد في ذاكرة المتفرجين.

    وإذا طبَّقنا ما سبق على الفيلم المصري الشهير «المومياء» لشادي عبد السلام، أحد أبرز كلاسيكيات السينما العربية، سنجد أنه رغم اختلاف البعض حول موضوع الفيلم نفسه واللغة المستخدمة في الحوار، فإن هناك شبه إجماع على أن كادرات الفيلم والإضاءة والملابس تُعدُّ بمثابة لوحات فنية برع عبد السلام في صياغتها، وهو المشهور عنه رسم المشاهد على ورق قبل دوران الكاميرا، مما يعكس حجم المجهود المبذول خلال العملية الإبداعية ويُفسّر بقاء الفيلم في الذاكرة لعقود، رغم أنه الفيلم الطويل الوحيد لمخرجه.

    بوستر فيلم «المومياء - 1969»
  • الذهاب إلى اللامسبوق

  • هذه السمة تعكس مدى إبداع صانع الفيلم وفرادته، التي تكمن في قدرته على صياغة الفكرة السينمائية بشكل مغاير للسائد في جيله، ومن ثمَّ يسبق من يأتي بعده، فيتحوَّل الشريطُ السينمائيُّ تدريجيًّا إلى مرجع يُشار إليه كلما تناول أحدهم مراحل تطور صناعة الفيلم السينمائية. فمثلًا شريط «12 رجلًا غاضبًا» (‎12 Angry Men‎) للمخرج الأمريكي (سيدني لوميت) على مستوى الموضوع غير مسبوق في تناول علاقة البشر بالعدالة، بالتطبيق على نظام المحاكم في أمريكا، النظام الذي قد يعتبره البعض من خارجه مثاليًّا كونه يُعطي الفرصة لـ 12 شخصًا للحكم مع القاضي، وليس القاضي بمفرده، لكنه في الوقت نفسه قدَّمهم باعتبارهم بشرًا عاديين، لكلٍّ منهم ظروفه وحالته النفسية التي قد لا تجعلهم قادرين على التدقيق في الأدلة قبل إصدار الحكم. وعلى المستوى الفني هو أيضًا غير مسبوق في الأسلوب الذي استخدمه المخرج وشرحه في كتابه «فن الإخراج السينمائي»، حيث جمع الـ 12 رجلًا -دون أسماء- في غرفة واحدة طوال أحداث الفيلم، مُستخدمًا زوايا التصوير للتعبير عن التطور الدرامي للأحداث دون أدنى شعور بالملل، بل يدفع المتفرج بالتدريج للتعامل وكأنه جالس معهم في ذات الغرفة، ومن ثم تتأكد «كلاسيكية» الفيلم كلما صنع مخرج آخر شريطًا لاحقًا يجمع الأبطال في مكان واحد، ويصبح التحدّي هو ما إذا كان سينجح في تكرار جاذبية وتفرُّد «12 رجلًا غاضبًا»، وإلى أي درجة.

    غلاف كتاب «فن الإخراج السينمائي»- سيدني لوميت

  • البقاء عبر الزمن


  • من المهم الإشارة إلى أن المقصود بالزمن هنا ليس عدد سنوات معين، أي لا يمكن القول إن مرور خمسين سنة على فيلم ما حقَّق انتشارًا وتأثيرًا يعني أنه أصبح من الكلاسيكيات، فلا يوجد عدد مُعيَّن من السنوات يمكن اعتباره معيارًا لهذه السمة، وإنما المقصود -وهو أيضًا أمرٌ نسبيٌّ- قدرة الفيلم على عبور أكثر من جيل وتحدي ظروف سياسية واجتماعية قد تُعطِّل أفلامًا أخرى عن الاستمرار. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يؤدي تغيير سياسي إلى جعل فيلم مُعيَّن هو المُعبِّر عن السُّلطة الجديدة، مما يجعله قابلًا للمشاهدة والتعاطي معه لعقود قبل أن تزول هذه السُّلطة، ومن بعدها تتغيَّر نظرة الأجيال الأحدث للشريط الذي تربَّى عليه الآباء. هناك أيضًا أفلام تتناول حقبًا بعينها ثم يحدث تغيير يجعل البعض يقول إن ما جاء في هذا الفيلم لم يعد موجودًا في الواقع، ثم تتغير الأمور ثانيةً ليتأكد للكثيرين أن صُنَّاع الفيلم المقصود لديهم نظرة استشرافية جعلتهم يُقدِّمون أفكارًا قابلة للصمود، وهو ما أكدته منصات التواصل الاجتماعي عندما فتحت المجال لتداول حوارات ولقطات فيلمية من شرائط مرَّ عليها سنون طوال، وكأنها لسان حال ما يجري الآن، وهذا هو البقاء عبر الزمن الذي يُعدُّ من سمات الأفلام الكلاسيكية.

  • تجاوز المحلية


  • أن تلتقي مجموعة من الأشخاص من عدة جنسيات وأعمار مختلفة، ثم يكتشفون أنهم جميعًا شاهدوا فيلمًا مُعيَّنًا في فترات زمنية مُتباعدة وكلهم أُعجبوا به، فنحن أمام فيلم كلاسيكي توافرت فيه سمة «عبور الحدود»؛ أي أن الشريط الناطق بلغة واحدة نجح في دخول ذاكرة مُتفرِّجين يتحدَّثون بلغات عِدَّة ومن أجيالٍ مختلفة جمعتهم قضية الفيلم. والأمر هنا لا يعني أن تكون قضية الفيلم عامة يعرفها المتفرجون مسبقًا حتى وإن اختلفت جنسياتهم، بل ربما يتناول الفيلم قضية شديدة المحلية لكنه يُقدِّمها بأسلوب يجعل المتفرج يتابع بشغف تجارب وحياة بشر آخرين، بالتالي قد يُحقّق فيلمٌ ما نجاحًا كبيرًا في وطنه وتتابعه أجيال عدة، لكنه سيظل محليًّا حتى وإن بات كلاسيكيًّا في قومه، ويختلف الأمر تمامًا لو أن الشريط عبر دولًا وقارات وبات مرغوبًا في متابعته من ملايين البشر حول العالم، ومن الأمثلة الحديثة على ذلك، أي التي تُشير إلى قدرة الفيلم المقصود على التحول لعمل كلاسيكي بمرور الزمن، الفيلم الكوري الجنوبي «طُفيلي» (Parasite) الذي يتناول بحساسية بديعة الفروق الطبقية في مجتمعه، صدر عام 2019 ومع ذلك يحتل المركز 34 في قائمة imdb المشار إليها مُسبقًا، ومن ثم لم تمنع حداثة الفيلم من تقدمه لهذا المركز، مُنافسًا شرائط صدرت في النصف الأول من القرن العشرين وحقَّقت نجاحًا مُتراكمًا عبر الأجيال، وكونه فيلمًا كوريًّا لم يمنع ذلك من تصويت متابعي المنصة الأمريكية له بشكل يؤكد سمة «عبور الحدود».

    مشهد من فيلم «طُفيلي» (Parasite)

    لماذا المشاهدة ضرورية؟

    بعد كل ما سبق، لا نندهش عندما نقرأ أن أطباء نفسيين ومدربي أسلوب حياة يضعون «مشاهدة الأفلام الكلاسيكية» بين نصائح تحسين المزاج الشخصي، بل إن هناك نقاشات عن أهمية تأسيس نوادي مشاهدة في المجتمعات الصغيرة لتجمع السكان -خصوصًا كبار السن- من أجل استعادة ذكرياتهم مع تلك الأفلام، حيث النظرة الإيجابية للنوستالجيا، التي تدفع بالمشاعر الطيبة للعودة مُجدَّدًا لمواجهة مشاعر سلبية طغت في حاضر الإنسان. وبجانب الفوائد النفسية والاجتماعية، تُوفِّر مشاهدة الأفلام الكلاسيكية لغير المتخصصين معرفة بتاريخ السينما واستعادة أماكن وتفاصيل لم تعد موجودة في الحاضر، حيث إن كثيرًا من الأفلام الكلاسيكية يُعدُّ وثيقة حية على المرحلة التاريخية التي صدر فيها، فسُكَّان مدينة كبيرة مثل القاهرة يمكنهم مثلًا تخيل كيف كانت في الخمسينيات والستينيات، وذلك من خلال مجموعة من الأفلام خرج صانعوها إلى الشوارع ورصدوا تفاصيل كثيرة من حياة الناس وقتها لأهداف درامية. بالتأكيد لم يكن التوثيق هدفًا في حد ذاته، لكنه إحدى المزايا غير المُباشرة لأي فيلم سينمائي، فعندما يقف البطل على كوبري ينتظر حبيبته ويتسع الكادر فيظهر من ورائه عدد مبانٍ محدود للغاية، ثم يُقارن المتفرِّج الوضع الحالي من نفس الزاوية، فهو بذلك لا يشاهد مجرد فيلم سينمائي وإنما وثيقة تاريخية مصورة.

    كما أن إعادة مشاهدة الأفلام التي تحمل سمات الكلاسيكية تدفع المتفرِّج لإعادة التأمل واستخراج تفاصيل جديدة ربما لم يلاحظها في المشاهدة السابقة، حيث يختلف تلقِّي المتفرِّج للفيلم حسب درجة نضجه وخبراته الحياتية ومعارفه بشكل عام، وهو ما لا يتوفَّر بالطبع في الأفلام التجارية البسيطة. ومن الملاحظات الهامة هنا أن الأفلام الكوميدية، حتى لو كانت للضحك فقط، فقدرتها على الصمود عبر الزمن تمنحها أيضًا صفة الكلاسيكية، وإن بدت بلا قضايا كبرى أو تفاصيل فنية عميقة.

    على مستوى المتخصصين، الضرورة المهنية تفرض نفسها، فحسب مقال عنوانه «The Importance of Watching ‘Old’ Movies»، كتبه (Shaz Mohsin) عبر منصة Flickluster، تتعدَّد الأسباب التي تدفع بدارسي وصُنَّاع السينما لمشاهدة الكلاسيكيات، والتي في مقدمتها فهم التاريخ والسياق الثقافي كون السينما هي أقرب ما يمكن للسفر عبر الزمن، وحسب Shaz Mohsin تمنحك مشاهدة الأفلام القديمة فهمًا للفترة التي صُنعت فيها، وتُسلِّط الضوء على التحولات في صناعة السينما العالمية، والاهتمامات، والسياسات، وعلم النفس العام في ذلك الوقت؛ أي أنها بمثابة رحلة متكاملة عبر زمن مضى، زمن عاشه الناس بالفعل وليس مُتخيَّلًا كما في أفلام الفانتازيا، يُضاف إلى ذلك دور مشاهدة الأفلام الكلاسيكية في تقدير تطور الحرفة من حيث رؤية كيف استُلهمت التقنيات الحديثة في صناعة الأفلام والكتابة والتمثيل من الرواد الأوائل الذين سبقونا بعقود، كأنْ تُشاهد بدايات الأفلام التي استخدمت المؤثرات البصرية بإمكانات محدودة ومع ذلك قدمت نتائج مبهرة. إلى جانب ما سبق، تُعتبر مشاهدة أعمال الرواد أمرًا حتميًا للمخرجين وكُتَّاب السيناريو والممثلين الطموحين، لأنها تُمثِّل احترامًا للحرفة وتاريخها بدلًا من الاكتفاء بالاستلهام من الأعمال الحديثة فقط. وبالتأكيد لو أجرينا مقارنة بين اثنين من صُناع الأفلام من جيل واحد، أحدهما تأمَّل الأعمال الملهمة من كل الأجيال والثاني اكتفى بمتابعة المعاصرة فقط، فسينعكس الفارق بالتأكيد على عمق المعالجات السينمائية التي يقدمانها، حتى لو تمتع كلاهما بنفس التقنيات والميزانيات خلال عملية صناعة الفيلم.

    أخيرًا يؤكد Shaz Mohsin أن الفن خالد لا يهرم، بل يبقى ذا قيمة لأنه يعكس القصص والثقافات والتاريخ العالمي الذي ناضل صانعوه من أجله، وعندما يتصدَّى صانع السينما لإنتاج فيلم جديد وهو مُحمَّل بإرث مَن سبقوه، فسيكون على الطريق الصحيح لإنتاج شريط يتأمله بعد سنوات صُنَّاع أفلام جُدد يتعاملون مع ذات الشريط حينها بأنه هو أيضًا يستحق أن يوصف بـ «الكلاسيكي».