عودة

سينما الهشاشة الوجودية الاغتراب الداخلي لدى شخصيات نوري بيلج جيلان


رويا إسماعيل

21/04/2026

يُشكِّل الاغتراب الداخلي ظاهرة أنطولوجية تتجاوز الإطار التقليدي للمنفى بوصفه حركة مكانية قسرية أو تجربة جغرافية، ليتموضع في صُلب البِنْية النفسية والرمزية للذات المعاصرة. إنه انقطاع في علاقة الذات بذاتها، وبالزمن، وبالآخر، يتمظهر في فقدان الانتماء ضمن الفضاء المألوف ذاته، ويكشف عن مفارقة وجودية قوامها الحضور المادي والغياب المعنوي. في هذا السياق، لا يُقاس الاغتراب الداخلي ببعده الخارجي، بل بمدى التصدُّع الذي يطال هوية الفرد، وسرده الداخلي، وفاعليته الرمزية داخل العالم الاجتماعي.

يُقرأ هذا الاغتراب الرمزي في ضوء مجموعة من الأطروحات الفلسفية التي تناولت أزمة الذات في العصر الحديث: فـ (بول ريكور) يرى في مفهوم «تفكُّك السرد الذاتي» تعبيرًا عن انهيار القدرة على تنظيم تجربة الحياة ضمن حبكة سردية متماسكة، مما يؤدي إلى هشاشة الهوية وتآكل الأفق الأخلاقي للفعل. أمَّا (فالتر بنيامين) فقد ربط هذا التشظي بزوال «الراوي» في الحداثة، وبتفتُّت الخبرة الجمعية التي كانت تمنح التجربة معناها. فيما قدَّم (كولن ولسن) أطروحته حول «اللامنتمي» بوصفه كائنًا وجوديًا يعيش خارج منظومة الانخراط الاجتماعي، مفتقدًا شروط الانسجام مع العالم الحديث، ومحاطًا بإحساس دائم بالعبث والعزلة. ويضيف (مارتن هايدغر) بُعدًا أنطولوجيًّا من خلال مفهوم «الوجود نحو الموت»، فيكشف القلق الوجودي عن «اللاشيء» الذي يُحيط بالذات، مما يدفعها نحو وجود أصيل أو يحصرها في عزلة وصمت يعكسان انفصالها عن العالم والمعنى. هذه الأطروحات، مُجتَمِعة، تُبرز عمق الأزمة الوجودية للذات في سياق الحداثة، حيث تتجلَّى في الاغتراب الرمزي كحالة من الاغتراب الأنطولوجي.

تسعى هذه المقالة إلى مقاربة الاغتراب الداخلي كآلية سردية وجمالية في الخطاب السينمائي في أفلام (نوري بيلج جيلان)، من خلال تحليل اشتغاله على مستوى التمثيل البصري، وتشكيل الشخصية، والبنية الزمنية، مُستَنِدةً إلى الإسهامات النظرية للفكر الفلسفي المعاصر، في سبيل تفكيك الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالهوية والانتماء والذاكرة والوجود داخل عالم فقد مركزه الرمزي.

في أعمال نوري بيلج جيلان، يتجاوز مفهوم الاغتراب الإطار الجغرافي التقليدي ليأخذ بُعدًا نفسيًا ووجوديًّا أعمق، فتتحول تجربة الاغتراب إلى حالة داخلية معقَّدة تعكس انقسام الذات وعزلتها. فالاغتراب هنا لا يرتبط بمغادرة المكان بقدر ما يرتبط بشعور بالاغتراب داخل السياقات التي يُفتَرض أن تكون مألوفة، في اللغة التي يتحدثها الفرد، في العلاقات التي تحيط به، في الزمن الذي يعيشه، بل في السرد الذي من خلاله يُعيد بناء هويته.

هذا الاغتراب الداخلي يُشكِّل حالة انقطاع عميقة على مستوى الوعي والوجود، تتجاوز مجرد الانكسار النفسي لتصبح قطيعة وجودية تعزل الذات عن نفسها، فتفقد معها القدرة على الانسجام مع محيطها. تعكس هذه الحالة غياب التواصل بين الفرد وبيئته، وانفصال السرد الذاتي عن الواقع المعيش، مما يُولِّد أزمة في هوية الشخصيات السينمائية التي يُصوِّرها جيلان، حيث تتبدَّد الروابط التي تربطها بماضيها وحاضرها، وتتعمَّق حالة الاغتراب إلى درجة تصعب معها إمكانية العودة إلى حالة الانتماء أو الاستقرار.

شخصية سنان: «شجرة الكمثرى البريّة - 2018» (The Wild Pear Tree)

تتجلّى مظاهر الاغتراب الداخلي في شخصية (سنان)، بطل فيلم «شجرة الكمثرى البريّة»، بصورة مكثَّفة وعميقة، إذ يُمثِّل نموذجًا للذات الممزقة بين الطموحات الفردية والقيود المجتمعية المحيطة بها. يعود سنان إلى قريته بعد فترة دراسية قضاها في المدينة، مُحمَّلًا بأحلام أدبية وذاتية تصطدم بجدار من القهر الاجتماعي، حيث إن البيئة ضيقة الأفق تعجز عن احتواء رؤاه، والأُسرة المُفكَّكة تُضاعف حالة الاغتراب النفسي، في ظل مشهد ثقافي لا يعترف إلا بذوات تقليدية مُغلقة على نفسها. في هذا السياق، لا يواجه سنان رفض المجتمع الخارجي فحسب، بل يعاني عزلة وجودية عميقة، تتحول الكتابة عنده إلى فعلٍ وحيد في فراغٍ تامٍّ، إذ يكتب بلا قارئ، في عزلة نخبوية تُحاكي ما وصفه كولن ولسن في مفهوم «الغُرف المغلقة»، إذ يتحول الكاتب إلى «لامُنتمٍ» مُحاصَر داخل عالَم لُغوي يُفقده القدرة على التواصل. في هذه الحالة، تصبح الكلمة صدًى هامسًا يتلاشى في الفراغ، فلا تصل إلى أي مستمع، مما يولّد منفى مزدوجًا: منفى الكلمة ومنفى الذات.

لقطة من فيلم «شجرة الكمثرى البرية - 2018» (The Wild Pear Tree)

تتجلَّى هذه التجربة الشعورية في مشاهد بصرية دقيقة تحمل دلالات رمزية قوية. فاللقطات الطويلة والثابتة للثلوج المتساقطة على الحقول الخالية، والفضاءات الطبيعية المُعْتِمة الباردة، تُجسِّد العزلة المطلقة التي يعيشها سنان، فيتحوَّل الزمن إلى كيان جامد، ويصبح المكان مساحة خاوية تفتقر إلى أيِّ إشارة للحياة أو التجدد. هذه الصور السينمائية ليست مُجرَّد خلفيات بصرية، بل تتَّسم بوجودية رمزية عميقة، تخلق إحساسًا بالجمود والشلل، وتُعبِّر عن حالة من الصمت الكثيف الذي يُغلِّف العالم الداخلي للبطل، حيث تتوقف الحوارات وتتلاشى الكلمات، وتصبح العزلة هي اللغة الوحيدة الحاضرة. هذا الصمت، الذي ليس صمتًا طبيعيًّا بل صمتًا ثقيلًا وشبه ميتافيزيقي، ينقل إحساس الغربة الوجودية المتجذِّرة في كينونة سنان.

من منظور فلسفي، يندرج هذا الانفصال في إطار ما حدَّده بول ريكور من انكسار في السرد الذاتي، عندما يفشل الفرد في إنتاج سرد مُوحَّد لهويته بسبب الصراع بين الذات وطموحاتها من جهة، والواقع الاجتماعي من جهة أخرى. إنَّ عجز سنان عن إيصال رؤيته ورفض اللغة التي يستخدمها، يؤدِّيان إلى تحلُّل السرد الذاتي، ليصبح سرده مُتناثرًا ومنفصلًا عن العالم، مما يعكس حالة من التفكك الوجودي. ولعل الحوار الفاشل بين سنان والكاتب المحلي يُشكِّل لحظة رمزية لهذا الانكسار، حيث بَدَت اللغة عاجزة عن حمل التجربة أو التعبير عنها، ما يُبرز أزمة التواصل العميقة التي تعانيها الذات.

شخصية آيدن: «السبات الشتوي - 2014» (Winter Sleep)

في امتداد طبيعي لمنفى سنان الداخلي، تتجلَّى حالة (آيدن)، الممثِّل المسرحي المتقاعد الذي يختار العزلة الطوعية في فندقه الريفي، كمسعى للانفصال عن العالم الخارجي، لكنه يغرق في تأملات فلسفية وأخلاقية عميقة لا تؤدي إلى فعل أو تغيير حقيقي. هذه العزلة، التي تبدو مريحة ومستقرة، تعكس اغترابًا داخليًّا متعاليًا فكريًّا، فيظهر كمن يسيطر عقلانيًّا على فوضى الحياة كما في مفهوم «اللامنتمي» لكولن ولسن، لكنه يعاني انهيارًا داخليًا مستمرًّا تحت وطأة هذا الفكر.

ينبع التناقض من عجزه عن إقامة روابط إنسانية حقيقية مع زوجته الشابة وأخته والمجتمع المحلي. هذا الفشل في التواصل يجعل سرديته زائفة، إذ لا تُوحِّد الذات أو تعيد بناء هويتها، بل تصبح آلية إنكار تُخفي التمزُّق الداخلي، وتُستخدَم دفاعيًا لبناء جدار فكري يبعده عن مواجهة الواقع، ما يزيد من عمق منفى الذات وعزلتها.

تُجسِّد شخصية آيدن انكسار الذات المثقَّفة التي تعجز عن إنتاج معنى وجودها أو سرد متماسك لتجاوز تمزُّقها. تنتقل الذات إلى نمط سكون تأملي سلبي، فيُصبح التفكير سجنًا ناعمًا يُعمِّق الاغتراب بدلًا من التحرُّر. منفى آيدن ليس عُزلة مكانية أو نُخبويَّة فحسب، بل هو انفصال عن الوجود الحي، التفاعل، الإنسان الآخر والذات الحقيقية.

لقطة من فيلم «السبات الشتوي - 2014» (Winter Sleep)

يتجلَّى هذا في علاقته بزوجته (نهال)، التي تُمثِّل رغبة مكبوتة في الحياة والارتباط، لكنها تصطدم بجدار من اللامبالاة والعجرفة. مشهد تبرُّعه لعمل خيري ومواجهة نهال له بسؤال عن دوافعه يختزل جوهر الاغتراب الذاتي عند آيدن: انفصاله عن البعد الإنساني للفعل وانغماسه في صورة ذات مثالية هشَّة عند الاصطدام بالحقيقة. الأفعال الخيرية شكلية، فارغة، مجرد أداء يتماهى مع صورة المثقف الأخلاقي لكنه يفتقد الجذور الشعورية، مؤكدًا الفراغ في حياته.

يمكن فهم منفى آيدن كمنفى فلسفي/معرفي، تتسع فيه الفجوة بين الفكر والفعل، الإدراك والتجربة، وفقًا لإميل سيوران الذي وصف الوعي «كأداة تعذيب للذات». كلما زاد تحليله، ازدادت غربته عن ذاته، حتى يتحوَّل وعيه إلى عبء لا خلاص منه، فيصبح منغلقًا داخل صومعة فكرية متعالية، لكنه غارق في هشاشة بِنْيويَّة تَفْتِك به بصمت.

الاغتراب عنده يتَّسم بالتكلّس، الانطفاء البطيء، وتراجع القدرة على الفعل والاحتكاك بالعالم، ويأخذ بُعدًا تراجيديًا عميقًا. فَقَدَ علاقته بالزمن الحي وتحوَّل إلى مؤرخ هامشي لعالم لا يعنيه. هذا الانفصال يُحوِّل وجوده إلى منفى يسود فيه الصمت المطلق.

الفندق الريفي الذي يُقيم فيه آيدن في «السبات الشتوي»، بجدرانه الحجرية وأسقفه الخشبية، يُشكِّل فضاءً مكانيًّا يُجسِّد اغترابه الداخلي، إذ يعكس الجمود والتوقف الزمني عزلته النفسية والفكرية. هذا الفضاء، بصمته الثقيل وأصدائه العازلة، يُعبِّر عن تآكل «التجربة الأصيلة» التي ينتقدها فالتر بنيامين في سياق الحداثة، حيث تؤدي التحولات التقنية والاجتماعية، كالتحديث في تركيا المعاصرة، إلى فقدان «الهالة» والقيمة الفريدة للتجربة الإنسانية المرتبطة بالروابط التقليدية. يصبح الفندق رمزًا للعزلة الزمكانية، إذ تتحول الأناضول، بتراثها الثقافي، إلى فضاء مُتجمِّد يعكس انفصال آيدن عن المجتمع المحلي وعن الحياة الحية.

هذا الانعزال الفكري والمكاني يُفضي إلى مأزق إنساني، تتداخل فيه العزلة الفكرية مع الانفصال العاطفي والاجتماعي، ويعكس عجزًا عن التفاعل مع الذات والآخر معًا. هكذا، يصبح آيدن تجسيدًا لمنفى داخلي يتجاوز الجغرافيا إلى صيرورة وجودية وفلسفية تُعبِّر عن أزمة الإنسان الحديث، فتعجز الذات عن الاندماج الاجتماعي وتنغلق في صرح الفكر غير الفعَّال والعزلة الزمنية التي تفقد فيها الحياة نبضها، مما يجعل تجربته نموذجًا لفهم موسع للمنفى والاغتراب الداخلي.

شخصية محمود: «بعيد - 2002» (Distant)

في فيلم بعيد، يتجلَّى الاغتراب الداخلي في أبعاده الطبقية والاجتماعية المركَّبة من خلال شخصية (محمود)، المصوِّر المثقّف الذي يعيش في إسطنبول؛ المدينة الكبرى التي تُمثِّل مركزًا للحداثة والاضطراب الثقافي. يعاني محمود عزلة فكرية نرجسية، يتموضع داخلها كمن تحصَّن خلف شاشة التلفاز وأعمال تاركوفسكي، محاولًا الانسحاب إلى فضاءٍ جماليٍّ هروبًا من واقع لا يتيح له التواصل الإنساني الحقيقي. هذه العزلة الذاتية لا تنبع من الاختلاف الطبقي بينه وبين القادم من الريف فحسب، بل تتعمَّق بفعل غياب لغة مشتركة وذاكرة ثقافية مُتبَادَلة، مما يُحوِّل الغرفة الضيقة التي يشترك فيها الاثنان إلى مسرح لصراع صامت لا يُعلن عنه، فيتصارع الماضي والحاضر في صمت ثقافي خانق.

هنا يتجسَّد مفهوم فقدان الاعتراف الذي وضعه بول ريكور، فيصبح الآخر في السرد الذاتي غائبًا، غير مُعتَرف به كصوت مستقل، بل مجرد ظلٍ لا يُحتَسب داخل تجربة الذات، مما يؤدي إلى انعدام التواصل العميق وولادة عزلة متبادلة تُضاعف مرارة الاغتراب الداخلي. ويصبح محمود بهذا نموذجًا للمثقف الممزَّق داخليًّا، المُحاصَر في مدينة لا تنتمي إليه؛ مدينة تحولت إلى ضجيجٍ مزعج بلا معنى، تُشدِّد على فكرة فالتر بنيامين حول تآكل قدرة الثقافة على إنقاذ الذات أو توفير ملجأ في وجه الاغتراب.

لقطة من فيلم «بعيد - 2002» (Distant)

وفقًا لبنيامين، لم تعد الثقافة تُشكِّل وسيلةً للتحرر أو الفهم العميق للعالم، بل أصبحت مجرد ديكورٍ خاوٍ، ظلًّا باهتًا يُغطِّي جرح الاغتراب الداخلي، ويُعمِّق حالة التشظي والاغتراب التي يعيشها الفرد. إن المدينة التي تبدو مساحة للاحتكاك الثقافي والحياة الاجتماعية تتحوَّل عند محمود إلى سجنٍ صامتٍ للحواس، فلا يجد لنفسه مكانًا سوى في الزوايا الخافتة للذاكرة والمشاهد السينمائية التي يستعرضها كملاذٍ وهميٍّ، مما يعكس حالة مأساوية من الانعزال النفسي والاجتماعي في سياق معاصر يتَّسم بالتحولات العميقة في بِنْيَة المجتمع والهوية.

هذه الحالة تُسلِّط الضوء على الطابع الطبقي للمنفى الداخلي، الذي لا يقتصر على مجرد انقطاع جغرافي أو سياسي، بل يمتد ليشمل فجوات عميقة في التفاهم الثقافي والتجربة الإنسانية المشتركة، مؤكدًا أن الاغتراب لا يقتصر على الفرد فحسب، بل هو نتاج تركيبي لعلاقات اجتماعية معقَّدة تُجسِّدها شخصيات مثل محمود، فيصير التداخل بين المكان واللغة والذاكرة ميدانًا للصراع الوجودي على الاعتراف والهوية.

شخصية عيسى: «المناخات - 2006» (Climates)

في فيلم المناخات، يتجسَّد الاغتراب الداخلي في أرقى تجلياته الوجودية من خلال (عيسى)، الأكاديمي المنفصل عن زوجته (بهار)، الذي يتيه في رحلة بين (إسطنبول) و(أغري)، منخرطًا في علاقات عابرة مع (سيراي، وبهار) لا تمنحه معنى أو تحوّلًا. تَعَاقُب الفصول (الصيف، الخريف، الشتاء) يحدث دون أثر للنمو، مُعزّزًا فكرة «منفى الزمن»، حيث ينقطع عيسى عن الماضي، الحاضر، والمستقبل، مُحاصَرًا في جمود وجودي. هذه القطيعة تعكس مفهوم «اللامنتمي» لكولن ولسن، فيظهر عيسى كذات فاقدة للمركز، عالقة في عزلة فكرية وعاطفية، مُتأرجحًا بين الحداثة (إسطنبول) والتقليد (أغري) في سياق تركي معاصر. كذلك، يتماهى مع تحليل بول ريكور للسرد الزائف، إذ يتحوَّل سرده الذاتي إلى قناع من البرود واللامبالاة، كما في محاولاته الفاشلة لإعادة التواصل مع بهار، مانعًا إياه من مواجهة حقيقته. اللقطات البصرية للثلوج والصمت تُعزِّز هذا الاغتراب الداخلي، مقدمةً إسقاطًا سينمائيًا لأزمة الذات في عالم يفتقر إلى المعنى.

تُعزِّز الوسائل السينمائية هذه الحالة الوجودية العميقة، فتستخدم الكاميرا الصور الثابتة التي تحبس الحركة، والصمت الممتد الذي يطول دون انقطاع، وضوء الشمس الخافت الذي يُغلِّف المشاهد بطابع من الغموض والافتقاد، لتصبح بذلك علامات بصرية على اللازمنية واللاحدث، وعلى الفراغ المعنوي الذي يعيشه عيسى. هذه التجريدات البصرية والصوتية لا تُعبِّر عن حالة الفرد فحسب، وإنما تستحضر أجواءَ منفًى داخليٍّ شاملٍ يتجاوز حدود الزمان والمكان، ليغدو رمزية صامتة للضياع الوجودي، فلا يُقِيم للذات وجودًا حقيقيًّا سوى عبر فوهة العدم والفراغ.

بهذا الشكل، يُقدِّم فيلم المناخات دراسة عميقة في منفى الزمن، في إطار فلسفي وجودي يمزج بين الصمت، العزلة، والجمود الحسي، ليكشف كيف يصبح الإنسان في عصر الحداثة المتأخرة أسيرًا لعدم التجاوب مع سيرورة الحياة، ومنفيًّا داخل ذاته، ولا يملك سوى الصمت الثقيل، والغياب عن ذاته الحقيقية.

لقطة من فيلم «المناخات - 2006» (Climates)

إنَّ ما تُقدِّمه سينما نوري بيلج جيلان لا يمكن اختزاله في سرد قصص بشرية معقدة، بل هو مشروع جمالي/فلسفي يستقصي الحدود القصوى للذات الإنسانية وهي تواجه هشاشتها، في غياب يقين سردي، وفي فراغ المعنى. فبقدر ما تتقاطع شخصياته مع أطروحة بول ريكور حول «تفكُّك الهوية السردية»، فإنها لا تجد في اللغة أو السرد خلاصًا، بل تكشف -من خلال تعثرها السردي نفسه- عن عمق الأزمة الأنطولوجية التي أشار إليها هايدغر، حيث تُنزع الأقنعة اليومية، ويَظهر «الوجود نحو الموت» كحقيقة لا مفرَّ منها وكأزمة أنطولوجية تكشف عن هشاشة الذات الإنسانية واغترابها.

شخصيات جيلان، مثل سنان في «شجرة الكمثرى البرية»، وآيدن في «السبات الشتوي»، ومحمود في «بعيد»، وعيسى في «المناخات»، تعيش حالة من القلق الوجودي الذي يُحيل إلى مفهوم هايدغر عن مواجهة «اللاشيء». هذه الشخصيات، المحاصَرة في عزلتها، تُجرَّد تدريجيًّا من الأقنعة اليومية التي تحميها من الوعي بحدود وجودها، لكنها لا تصل إلى الوجود الأصيل الذي يدعو إليه هايدغر، بل تظلّ عالقة في منفى داخلي يتَّسم بالجمود والفراغ.

هذا الانقطاع الوجودي يتقاطع أيضًا مع أطروحة بول ريكور حول «تفكك الهوية السردية»، حين تفشل الشخصيات في بناء سرد متماسك لهويتها، مما يعكس عجزها عن التواصل مع الآخر أو إيجاد معنى في زمن متشظٍّ. جيلان يُترجِم هذه الأزمة إلى لغة سينمائية تأملية، فيستخدم اللقطات الطويلة، الصمت الثقيل، والفضاءات الشاسعة (الثلوج والحقول الخالية) كرموز للفراغ الأنطولوجي. هذه الجماليات لا تسعى إلى تقديم خلاص، بل تكشف عن الحقيقة القاسية للوجود المعاصر، ويصبح الصمت تعبيرًا عن استحالة القول في عالم يتآكل بالكلام الفارغ. وهكذا، يُقدِّم جيلان من خلال أفلامه كشفًا أنطولوجيًا يتماهى مع رؤية هايدغر، لكنه يضيف لمسة تشاؤمية تعكس عدمية الحياة الحديثة، فتبقى الذات منفية داخل نفسها، عاجزة عن تجاوز «اللاشيء» الذي يكتنف وجودها.

في هذا السياق، تصبح العزلة التي عاينها كولن ولسن في «اللامنتمي» ليست عزلة اجتماعية فحسب، بل عزلة وجودية خالصة، يتماهى فيها الفرد مع غربته الداخلية، ويستبطنها كجوهر لا يمكن تجاوزه. فالشخصيات الجيلانية ليست على هامش المجتمع فحسب، بل على هامش المعنى ذاته، تتحدث في فراغ، وتتحرك في صمت، وتنتظر دون أمل، كما لو أن الزمن ذاته قد فقد اتجاهه أو تفسَّخ داخليًا. هذه الشخصيات -التي غالبًا ما تكون مثقفة، منعزلة، متأزمة أخلاقيًّا أو روحيًّا- تتحرك في عوالم صامتة، نائية، تتآكل فيها اللغة ويُهمَّش فيها الفعل، فيتحول الحوار إلى طيف هشٍّ لا يُعوَّل عليه، فيما الصمت يعلو كصوت داخلي متشظٍّ، وكأن الكاميرا ترصد الانهيار البطيء للذات من الداخل.

تُحوِّل كاميرا جيلان هذا التمزق الوجودي إلى مشهد بصري مضاد للدراما، فتفضح اللحظة السينمائية ثقل الوجود بدلًا من أن تُروِّضه، وتُظهر الصمت لا كفراغ، بل ككشفٍ جماليٍّ عن غياب القابل للقول. وهكذا، تنفتح سينما جيلان على الفلسفة لا كمجالٍ مرجعي، بل كضرورة تعبيرية، وتُصنَّف ضمن تقليد سينمائي تأملي عميق، شارك فيه مخرجون كبار مثل (أندريه تاركوفسكي، وثيودوروس أنجيلوبولوس)، ممن جعلوا من السينما فعلًا للتأمل الأنطولوجي، لا سردًا بل بُطئًا مقصودًا، لا حدثًا بل انتظارًا، لا حكاية بل عبورًا داخل الزمن الكثيف للذات.

وكما في سينما تاركوفسكي، حيث يتحول الزمن إلى حامل للكشف الروحي، وكما في عوالم أنجيلوبولوس حيث تُستعاد الجغرافيا كجرح وجودي، نجد لدى جيلان التقاءً تُركيًّا خاصًّا بهذه الرؤى، تُغلِّفه حساسية سردية فريدة، تُعيد تمثيل الاغتراب -لا كواقعة جغرافية أو سياسية- بل كحالة أنطولوجية، منفى داخل الذات، وداخل اللغة، وداخل اللحظة الزمنية. هكذا، لا يغدو «الاغتراب الداخلي» مجرد استعارة، بل بِنْيَة جوهرية في فهم الكائن المعاصر، الذي لم يعد يعيش في وطنه، ولا في ذاته، ولا في لغته، بل في أفلام نوري بيلج جيلان، كما في نصوص هايدغر وريكور وولسن، بحيث يُصبح الوجود ذاته سؤالًا مُعلَّقًا على حافة الصمت، مُعلَّقًا بين ما يُقال وما يُعاش، بين الزمن والموت، بين العزلة واللاجدوى.




المراجع

-V, Menze. Paul Ricoeur & Narrative Ethics: A Middle Ground Between Rigid Rationality and -Aimless Indifference. Master’s thesis, Radboud University Nijmegen, 2020. Supervised by Gert-Jan van der Heiden.
-W, Richard. “Walter Benjamin: ‘The Storyteller’ and the Possibility of Wisdom." Journal of Aesthetic Education, vol. 51, no. 1, Spring 2017, © 2017 Board of Trustees of the University of Illinois.