شارك
31 ديسمبر 2010
«حياتي بقت كلها ليل، كنت بنام طول النهار، وأنزل في الليل عشان أسمع موسيقى ما بقتش موجودة».
التصقتْ عبارةُ (يحيى)، بطل فيلم «رسائل البحر - 2010»، في ذاكرتي كما التصقت أجواء تلك الليلة بتفاصيلها. إنها ليلة رأس السنة، أكثر ليالي العام تميّزًا داخل أسرتنا، كبرنا على اهتمام أبي بها. أولًا لأنها ذكرى زواجه من أمي، وثانيًا لأنه اعتاد الاحتفال بها في صخب مع الأصدقاء قبل الزواج. غير أن تلك الليلة بالتحديد لم تمحُها من داخلي كل أيامي بعدها، إذ كانت آخر رأس سنة أقضيها مع أبي.
لا خطة احتفال عائلي أجمل من العشاء مجتمعين في سهرة أمام فيلم (داود عبد السيد) الجديد «رسائل البحر» الذي سيعرضه التلفزيون للمرة الأولى. كان حدثًا مُهمًّا على عدة أصعدة؛ ذلك أن الفيلم إنتاج العام نفسه، وجرت العادة أن التلفزيون، بقنواته الأرضية والفضائية، لا يعرض الأفلام الحديثة إلا بعد رفعها من دور العرض بفترات طويلة، بالإضافة إلى طبيعة العلاقة الخاصة بين أسرتنا وبين أعمال داود في العموم. كانت سهرة دافئة، غادرتُ بعدها منزل أبي إلى منزلي، ولم يخطر ببالي أنها ستكون الأخيرة من نوعها. نهاية العام التالي، 2011، قضى أبي ليلة رأس السنة في المستشفى، هاتفته في الثانية عشرة بالضبط لأُشاركه احتفالًا رمزيًّا، وبعدها بسبعة أيام غادر الدنيا.
بدايات 1990
الطريق من المدرسة في حيّ «الدقي» إلى المنزل في عمق حيّ إمبابة الشعبي، يتطلب المرور بمحاذاة شاطئ النيل في المسافة بين كوبري الجلاء وكوبري إمبابة. أوقف أبي السيارة قرب مدخل حيّ «الكيت كات»؛ وَجْه إمبابة المطلّ على النيل، ووقف وسط زحام مع أشخاص لا أعرفهم، اصطحبنا أحدُهم، أنا وأخي، وأنزلنا إلى قارب خشبي صغير يقف عند الشاطئ، حتى ينتهي أبي من حديثه مع أصحابه. كان أحدهم نائمًا مُعطيًا إيانا ظهره، بعد دقائق قليلة استيقظ والتفت متسائلًا: «إنتم مين؟». قلت: «أنا هشام أصلان وده أخويا شادي». كان هذا الشخص هو (شريف منير)، سلَّم علينا باحتفاء ونفض نعاسه واتّجه إلى الشاطئ المزدحمة حافته بمن يبدو عليهم أنهم فريق العمل، كانوا مُنهمكين في تحضيرات بينما بعضهم عند السور المعدني يحاول تهدئة جمهور مُتكدّس من أبناء الحي يُشاهد ما يحدث، وفتيات كثيرات يُنادين شريف ويشاكسنه بإعجابٍ، بينما هو يُنصت لرجل له شارب قلت في نفسي إنه يشبه شارب أبي، فيما اختلط بعض الشيب بسواد شعره. أعطى صاحب الشارب إشارة بيده ليتحرَّك البعض بسرعة ويعُمّ الصمت. يركض شريف منير من حافة الشاطئ ليقفز إلى قارب قريب يقف فوقه رجل بدين ويشتبك معه حتى يُسقطه في المياه، لينقشع الصمت وتسود ضوضاء الزحام مرة أخرى.
بعد قليل أخذنا رجلٌ إلى الشاطئ مرة أخرى، يقف أبي مع صاحب الشارب ومعهما (محمود عبد العزيز)، قال الرجل: «سلّم على عمّك محمود وعمّك داود». في تلك السن كان مُبهرًا أن أرى محمود عبد العزيز في الحقيقة. يرتدي جلباب الشيخ حسني، ويتعامل بلغة جسد المكفوفين. سلّم علينا وقبّلنا. من البديهي في تلك السن ألا يلفت نظري وجود أي شخص سوى محمود عبد العزيز، حتى لو كان من يُحرّك المشهد بأكمله من بين الواقفين داود عبد السيد نفسه.
محمود عبد العزيز في دور (الشيخ حسني) من فيلم «الكيت كات - 1991» الأيقونة التي خطفت أنظار الجميع.
سبتمبر 1991، شارع عماد الدين بوسط القاهرة، سينما كريم
مثل أحلام قليلة يستيقظ منها المرء سعيدًا ولا ينساها أبدًا، تلك التي يعيش صاحبها يسأل نفسه هل كان حلمًا أم فجوة زمنية واقعية مشحونة بدفقة سعادة تفوق الاحتمال، حتى إنها قادرة على تحسين المزاج بمجرد تذكرها طيلة العمر، هذا النوع من الأحلام المشكوك في كونها حدثت أثناء النوم، كانت تلك الليلة بتفاصيلها.
انطفأ النور، وانفتحت الشاشة العملاقة على عبارة لا أنساها، وكيف لي أن أنسى أول ما رأت عيناي على شاشة سينما: «إهداء إلى فنان السينما المصرية أنسي أبو سيف».
إهداء فيلم «الكيت كات - 1991» إلى مهندس الديكور (أنسي أبو سيف).
و(أنسي أبو سيف)، بالطبع، هو فنان المناظر والديكور السينمائي الأبرز في مصر، وصاحب ديكور فيلم «الكيت كات - 1991». سأعرف بعد سنوات، أن كل مشاهد الفيلم باستثناء التي صُورت عند النيل، بما فيها مشهد الشيخ حسني يقود «الفِسْبَة» والناس تجري أمامه خوفًا، سأعرف أن كل هذه المشاهد صُوِّرت داخل ديكور شيَّده أنسي أبو سيف؛ الحارة والمحال والبيوت. قبل عامين أو ثلاثة أقام مهرجان الجونة السينمائي معرضًا على هامش فعالياته للاسكتشات التي رسمها أنسي أبو سيف لحارة الكيت كات قبل أن يبنيها داخل «ستوديو جلال»، تلك الاسكتشات على صغرها وبساطة رسمها لم تُخطئها عين، وهي دليل على عبقرية أنسي أبو سيف، ذلك أنها عبارة عن مكان أحداث الفيلم كما ظهر على الشاشة، لكنها مرسومة على ورق صغير بدقّة مُذهلة. انطفأ نور قاعة عرض سينما كريم، وبدأ الفيلم، وتساءلتُ في عقلي عن كيفية وجود تلفزيون بهذا الحجم نرى عليه الممثّلين بأجساد عمالقة.
في العرض الخاص لفيلم «الكيت كات»، سيناريو وإخراج داود عبد السيد المأخوذ عن رواية «مالك الحزين» لـ (إبراهيم أصلان)، رأيتُ كل نجوم ذلك الزمن بين الحضور، ورأيتُ شاشة السينما لأول مرة في حياتي. وحفظتُ أغنية المشهد الأخير في الفيلم من أول مرة: «يالا بينا تعالوا نسيب اليوم في حاله وكل واحد مننا يركب حصان خياله».
لا أنسى ارتجاج قاعة السينما بالتصفيق لحظة انتهاء محمود عبد العزيز من غنائها: «يا شيخ حسني يا جِن»، وبرغم كونها الأغنية الأشهر والأكثر جماهيرية والتصاقًا بالأذهان، حيث كلمات (سيد حجاب) وألحان (إبراهيم رجب)، وبموقعها في الفيلم تُكرّس للتفاؤل بإمكانية تحقيق الحلم مخلوطًا بشجن إدراك واقع «الناس والظروف والديابة لابسة فرو الخروف»، برغم كل هذا أحببت أكثر أغنية التتر في بداية الفيلم: «البلبل غنّى على ورق الفُلة»، بصوت محمود عبد العزيز ولحن سيد مكاوي، وأصوات الكورال الطبيعية النشاز يقطعها السُّعال من أثر تدخين الشيشة، حيث التمسُّك بلحظة البهجة «الليلة الليلة» بغضِّ النظر عما سيحدث لاحقًا، والأمل في عدم انقطاع الونس السهران «للصبح ليس إلّا»، والتمنّي على ليالي الأُنس «دومي وطوّلي، خلّيها حب وجلجلي»، وإيمانه بأنه طالما «الليلة عال يا جماعة، نسهر ولا نبصّش في الساعة». مدخل جيد لشخصية رجل لا يعترف بقسوة الزمن ولا بأن «الغيطان اختفت وبقت بيوت وعماير»، مثلما لا يستطيع الاعتراف بأنه رجل كفيف، يُهمِّش مشاكله ويتجاهل كونه مُثيرًا لقلق من حوله، مُتمسّكًا بما يدعم لحظات السعادة القليلة الباقية كي لا يتحوّل إلى كائن بائس في منتصف أو أواخر عمره، بينما لا يطمع سوى في أن تظل السهرة جميلة و «نعمل هولّيلة أصيلة، حلوة وتحلو، وأنا قاعد وسط الشِّلَّة».
عندما اشترى أبي جهاز الفيديو، ظللنا فترة طويلة لا نضع فيه إلا فيلم «الكيت كات» قبل أن تعرف قدماي نوادي الفيديو لاستئجار أفلام أخرى.
النجاح المذهل لفيلم «الكيت كات» على المستويين، الجماهيري والنخبوي، وقت عرضه، كان مُفتَرضًا أن يُحرّك أذهان القائمين على الإنتاج السينمائي في مصر، ويدفعهم إلى مراجعة أفكارهم حول حسابات السوق والمكسب والخسارة، ذلك أن الفيلم واجه عقبات إنتاجية لخمس سنوات كاملة حتى تحمَّس له المنتج (حسين القلا). حكى داود عن هذه العقبات ضمن مجموعة حوارات أجراها معه الناقد (أحمد شوقي)، وصدرت في كتاب عنه قبل سنوات، ونقلت منصة «فاصلة» بعضها بعد رحيله: «ظللت أبحث عن إنتاج لفيلم الكيت كات خمس سنوات كاملة، وكان المنتجون يقرؤون السيناريو فيوافقون مبدئيًّا باعتبار أنني سأصوّر في حارة ستوديو الأهرام أو ستوديو نحاس، وعندما يعرفون أنني لن أصور الفيلم إلا في حارة تُبنى خصيصًا له يتراجعون عن إنتاجه خوفًا من التكلفة. وهناك منتجون لم يرغبوا في تقديمه لأنه حسب رأيهم فيلم كئيب، وهو التعليق نفسه الذي كتبه جهاز الرقابة عند قراءة السيناريو، وهو بالطبع تعليق غريب، لكنه رد فعل يمكن توقعه دائمًا عند تعامل البعض مع نوع من السينما لم يعتادوا عليه».
كان من المُفترَض أن يُحرّك النجاح الكاسح للفيلم أفكار القائمين على الصناعة، غير أن ذلك لم يحدث، وعاش داود حتى لحظة اعتزاله يعاني من عدم توفُّر الإنتاج مع كل فيلم قدَّمه مهما وضع في اعتباره عناصر الجذب الجماهيري.
وكان داود قد أوضح رأيه حول هذه المسألة في لقاء مفتوح سعدت بإدارته قبل ست سنوات، في أُمسية لا أعتقد أنه شارك في فعالية بحجمها بعد ذلك، حيث تكدَّس الجمهور في مسرح ستوديو (ناصيبيان) التاريخي بالقاهرة، لدرجة جلوس الكثير منه أرضًا بما لم يَدَعْ مساحة لِموضع قدم. كان أغلب الحضور بين العشرين والثلاثين من العمر، جاءوا يستمعون إلى داود، الذي ما إن صعد إلى خشبة المسرح ارتجّت الأركان بتصفيق استمر حتى اضطررنا لمقاطعته، ليس فقط كي نبدأ اللقاء ولكن لأنه كان في غاية الحَرَج.
صورة من لقاء المخرج داود عبد السيد في صالون الجزويت الثقافي على مسرح ستوديو ناصيبيان.
يومها أخذنا الحديث إلى المسافة بين السينما النخبوية والسينما الجماهيرية، عطفًا على المصطلح التاريخي الجدلي المعني بتصنيف الأفلام وقولبتها: «فيلم مهرجانات، وفيلم جمهور»، وعبَّر عن انزعاجه من تلك التصنيفات، ذلك أن أصل الأشياء في رؤيته هو أن السينما تُصنع للجماهير، وأن الصناعة لا بدَّ لها من بُعد تجاري، وذلك لا يعني أبدًا تقديم أفلام استهلاكية خاضعة فقط لمتطلبات السوق.
هذه الرؤية ربما كانت بداية خيط امتدَّ حتى يوم إعلان اعتزاله، وكان العنوان العريض الذي جاءت تحته التناولات الصحفية للحدث هو أن قرار الاعتزال سببه «ظروف السوق»، ولم يكن داود يعني متطلبات الجمهور التي تُوجّه المنتجين إلى الاهتمام بنوعيات سينمائية. في لقاءٍ تالٍ بمناسبة إطلاق كتاب علاء خالد «داود عبد السيد: سينما الهموم الشخصية»، أوضح وجهة نظره التي دفعته للاعتزال، وهي وجهة نظر تلمع فيها علاقته بفكرة سينما الجماهير وكيف يعتني بها على عكس الشائع بأنه محسوب على النخبة الثقافية، قال إنه عاش يصنع الأفلام لعامة الشعب، بينما ظروف الصناعة لم تعد تضع في اعتبارها هذه العامة، وتحدَّث عن قِلّة دور العرض بعدما خَفَتَ الاهتمام بالدور الشعبية الكبيرة وباتت أغلب دور العرض المؤثّرة داخل المراكز التجارية الفخمة بتذاكر مرتفعة السعر، بما لا يعطي فرصة لأسرة مكوّنة من أربعة أفراد أن تذهب في فسحة إلى السينما، وبات يشعر أنه سيصنع أفلامًا لن يراها الذين يصنعها من أجلهم، خصوصًا أنه ظل يواجه العقبات والصعوبات الإنتاجية طيلة مشواره كلما جهَّز لمشروع فيلم جديد، ذلك برغم أنه حقَّق جماهيرية معقولة منذ أول أفلامه «الصعاليك - 1985»، وكان دائم الحرص على تطعيم أفلامه بعناصر جذب تجارية ناجحة، مثل التعامل مع نجوم شباك كبار، (نور الشريف ومحمود عبد العزيز وأحمد زكي) في «الصعاليك» و«الكيت كات» و«أرض الخوف - 2000»، أو حتى (شعبان عبد الرحيم) وقت ذروة شعبيته في «مواطن ومخبر وحرامي»، فضلًا عن حرصه الدائم على تعددية مستويات التلقّي، كشأن الفن العظيم الذي يجد فيه مواطن بسيط ما يُحبُّه ولو من باب التسلية، ويجد فيه المثقَّف ضالته في أسئلة إنسانية وفلسفة عميقة.
يوم لقائه في مسرح ستوديو (ناصيبيان) أشفقتُ عليه من زحام الجمهور وكثرة الأسئلة، قال: «أنا معاكم للصبح بس تسيبوني أدخّن براحتي». وراح في منتهى التواضع يُجيب عن كل سؤال عميق أو بسيط، وقتها سألتْه طالبةٌ في معهد السينما عن المغزى وراء اختياره لاسم (يحيى) في أكثر من فيلم، وما إذا كانت رسائل (يحيى أبو دبورة) إلى جهة غير معلومة في فيلم «أرض الخوف» هي نفسها الرسالة التي تلقَّاها (يحيى) بطل «رسائل البحر» بلغة غير مفهومة وذهب يبحث عن معناها؟ وبرغم أن سؤال الفتاة كان وجيهًا، أجاب ببساطة صادمة بأنه لا توجد علاقة في ذهنه من قريب أو بعيد بين البطلين أو الرسالتين، وأن تكرار الاسم في أفلامه ليس له دلالة فلسفية وأن الموضوع «مجرد استسهال اسم جاهز»، قال نصًّا: «أدوّر على اسم تاني كل شوية ليه؟».
بذل داود جهدًا كي يبدو بسيطًا في كل ما يقول، فصار وجهه الفلسفي أكثر عمقًا، هكذا تمحور مشروعه الكبير حول أن يصل بأعمق ما لديه إلى أبسط أشكال التلقّي، وربما أكثر ما يؤكّد هذه الحالة، تلك القاعدة الشعبية لشخصيات «الكيت كات» التي أحبَّها الجمهور بعيوبها وسقطاتها وانهزامها؛ أحبَّ الجمهور (الهرم) تاجر المخدرات وعلاقته بـ (الست فتحية) زوجة صديقه، إذ استطاع داود تقديم شخوصه دون أحكام أخلاقية، ونجح في سحب الجمهور إلى هذه الخانة، ذلك شأن الفن الذي يخاطب الروح والوجدان والإحساس العام، لا العقل وقوانين المنطق. وربما أبلغ دلالات نجاحه في هذا حكاية أتذكرها دائمًا مع الأصدقاء في معرض طرائف الأحداث، حين قادتني الصدفة ذات يوم إلى مرافقة فريق عمل تلفزيوني يُعِدُّ فيلمًا وثائقيًا عن أبي في مكان نشأته؛ حيّ «الكيت كات»، جاءتني امرأة خمسينية تسألني، وسط الواقفين وبصوتٍ عالٍ: «إنت ابن الأستاذ إبراهيم؟»، وتصوَّرت أنها ستتحدث عن علاقة قديمة به أو بنساء العائلة، فباغتتني: «أنا بنت الهرم»، كانت فخورة بكونها ابنة لشخص خلدته السينما، بصرف النظر عن طبيعة عمله، وراح الواقفون من فريق عمل الفيلم الوثائقي يتحدَّثون معها بانبهار، كانوا يعرفون أن كل شخصيات الفيلم والرواية هي شخصيات حقيقية، غير أن ظهور ابنة الهرم «الحقيقي» شخصيًّا في المشهد أضاف له سحرًا خاصًّا.
«هو خايف يفقد الذاكرة؟ طب وإيه يعني؟ أنا قلت له احكيلي كل حاجة حصلت لك من يوم ما أمك زلطتك، وأنا أبقى أحكيهالك».
العبارة تقولها (بيسة) ليحيى بطل فيلم «رسائل البحر»، بشكلٍ عابر، بينما يتحدَّثان عن حبيبها (قابيل) الذي يخشى إجراء جراحة ستنقذ حياته لكنها ستُفقده الذاكرة. وهذا السطر هو محور قصة صغيرة تحمل فكرة كبيرة، صالحة للسير خلفها فتمنحك روايةً كاملةً أو فيلمًا مستقلًا بذاته، لكن صانع العمل رآها كحكاية فرعية على هامش قصة رئيسية. وهي محبوكة في أضيق مساحة ممكنة ومع ذلك مكتملة، فصارت مثل نقطة نور ساطعة على مسافة بعيدة.
لقطة من فيلم «رسائل البحر - 2010» تجمع آسر ياسين ومحمد لطفي الذي لعب دور (قابيل)، حيث تتداخل الحكاية الفرعية مع القصة الرئيسية.
يفعلها دائمًا داود عبد السيد، الذي تقترب سيناريوهات أفلامه اقترابًا كبيرًا من الكتابة الروائية التي تُحيل إلى حالة شِعر. كيف يستطيع التماسك أمام إغراء توسيع قصة جميلة كي لا يفسد ما يريده منها؟ هي مَلَكَة وحِنكة الحذف، كالروائي الماهر، وهي خَصِيصة في كل أفلامه. دائمًا هناك قصص صغيرة مكتملة تُثقل خطّ القصة الرئيسية. أبطال مثل (سليمان الصايغ) في «الكيت كات»، أو (موسى) في «أرض الخوف»؛ قصص صغيرة مثل الومضة.
الكمال الفني في قصة قابيل مع ذاكرته يتحقَّق عندما يقتنع بأن يحكي لحبيبته كل أحداث حياته، كي تحكيها له بعد نجاح جراحته وفقدانه الذاكرة، وكذلك وهو يُلقِّنها أسماء معارفه وأقاربه: «أم عادل بتاعة الفول. عم محمد البقال. عم حبشي بتاع الكبدة. الست أم سيد اللي بتبقى قاعدة بَرّه وبتسلم عليا. وغير دول بقى فيه إخواتي، عزة وضرغام وشيماء وعزت. وعندي إخوات مش شقايق بس ميصحش الواحد ينسى أخوه حتى لو مش شقيق».
في نهاية عام 2010 شاهدت في أجواء أُسرية دافئة «رسائل البحر»، ومع نهايات عام 2021، وقبل ليلة رأس سنة جديدة، قرأنا خبر قرار داود بالاعتزال، خبر هزَّ الأوساط السينمائية، وفتح أبوابًا للتفكير في الأسباب التي دفعت أهم مُخرجي مصر إلى الاعتزال، وقبل أيام من نهاية عام 2025، تلقيت خبر رحيله المزلزل، ليس لي ولا لأصحابه، ولكن لصناعة السينما بأكملها، ورُحتُ أفكِّر في كيف كان اعتزاله كاشفًا عن عوار، ودعوة للنقاشات العامة والتفكير، وكيف فعل رحيله ذلك أيضًا، وكيف أن كل ما حول هذا الرجل يفتح طاقات للتأمل ولو كان قرارًا بالاعتزال، أو رحيلًا أبديًّا… يقول (بيكاسو):
«يُحوّل بعض الرسامين الشمس إلى بقعة صفراء، ويحوّل بعضهم البقعة الصفراء إلى شمس».
