عودة

ما بعد الهوية من سينما القضايا الكبرى إلى أسئلة وجودنا المعاصرة


محمد خضر

15/03/2026

لوقتٍ طويلٍ كانت قضية الهوية إحدى القضايا المسيطرة على المشهد السينمائي في العالم، فشكَّلت هاجسًا وموقعًا جوهريًّا ومركزيًّا في كثيرٍ مما قدَّمته السينما منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، خصوصًا منذ الستينيات، ولا سيَّما في الأعمال السينمائية التي تحكي عن حقبة الاستعمار، أو التي انشغلت بالقضايا السياسية واليسار، أو في السينما الشعاراتية ذات الذاكرة الجمعيَّة التي احتفت بولادة هويات جديدة أو بعودة هويات قديمة؛ كالقوميات والوطنية، وهويات تشكَّلت في أزمنة الحرب؛ كالمنفى والشتات.

كانت أغلبية الأفلام تشرح، وتدافع، بشكلٍ مباشرٍ وخطابيٍّ عن هويتها الثقافية والاجتماعية والمعرفية ككتلة صلبة، وتُعطي إجابة ثابتة ومُوجَّهة لكل ما حولنا، وتفترض أن هذه غايتها ورسالتها. ولربما كان ذلك مُبرَّرًا حينها بعد رواج وانتشار أدبيات بُلدان شعرت باستلابٍ ثقافيٍّ وإنسانيٍّ خلال استعمارها، أو لأن ثمَّة ثقافة لم يسبق لأحد أن شاهدها في السينما آنذاك، مما أدَّى إلى سينما مُستعجلة غالبًا، لم تكترث بالجانب الفني، ولذا لم تُقدِّم ما هو جدير بالهوية وبحساسية موضوعها بعمق.

غير أن التحولات التي فرضها واقع جديد وسريع تقنيًّا واجتماعيًّا، خاصةً خلال العقدين الماضيين، فضلًا عن أثر فلاسفة مثل (فوكو، دولوز، دريدا) قبل ذلك، أدَّت إلى تغيُّر الأسئلة تدريجيًّا، فتحوَّل اهتمام السينما من أطروحة الهوية إلى فلسفة الوجود، ومن محاولات تعريف الذات والآخر إلى اختبار تلك الذات المفردة في هشاشتها وضعفها واضطرابها، مثلما نرى في الأفلام التي تتناول قضايا الجندر والجسد والهجرة، بعيدًا عن القضايا الكبيرة والمباشرة، وأصبح الفيلم يتساءل عن تفاصيل تلك الذات الفردية وليس عن الانتماء، ويتقاطع مع الإنسان في كل مكان وفي جزيئاته الصغيرة بعيدًا عن الأسئلة المُلِحَّة حول العِرْق والدين والوطن. هذا لا يعني بالضرورة أن السينما خَلَت تمامًا من قضية الهويات، لكنها أصبحت تتماهى بقدرٍ ما مع عالم متحول وسريع، هجين وعولمي ولا يقيني، ينفصلُ شيئًا فشيئًا عن تلك الأسئلة الجمعية مثل: من نحن؟ ومن نكون؟ التي تختفي فيها ثقافتنا الشخصية، وهمومنا الذاتية، لتتحول مع سينما ما بعد الهوية إلى أسئلة معاناتنا الذاتية مع الحياة كأفراد.

كما أن دخولنا إلى العالم الرقميّ والتقنيّ وتوظيف أدواتهما في السينما والدراما، قلَّص وجود أفلام الهوية والبطولة الأسطورية بشكلها التقليدي، وباتت السينما تتحدث عن مواضيع جديدة، تلمس فيها إشكاليات عالم سريع، وتكنولوجي، واستهلاكي.

لقطة من فيلم «اترك العالم خلفك - 2023» (Leave the World Behind)

في فيلم «اترك العالم خلفك - 2023» (Leave the World Behind) نشاهدُ الخوفَ والرعبَ عندما ينقطع الاتصال بالإنترنت، ومواجهةَ الإنسان لإحدى قضاياه التي باتت قضية كبرى، وقد تُمثِّل جزءًا وافرًا من هويته الجديدة؛ تلك الهوية التي يريد تعريفها من خلال إحساسه الجديد، ومن خلال البحث عن حلول سريعة بديلة. وفي مسلسل «كوبرا - 2024» (Kubra) الدرامي التركي، نُشاهد أزمة الإنسان مع أسئلة الذكاء الاصطناعيّ وتنبؤه بمصيره، وكيف يمكن أن تتحوَّل حياة شخص جذريًّا بسبب أزمة تكنولوجية، فحياة البطل تنقلب رأسًا على عقب، وينتقل من عامل في ورشة سيارات إلى شخص يعتقد جازمًا أنه نبيٌّ يحمل البشارات والخير والكرامات، وكل ذلك التحول في قيمه ومبادئه وتُشكُّل هويته الجديدة يحدث بسبب قدرة العالم التقنيّ الساحرة على إقناعه بذلك. وليس بعيدًا عنه فيلم «نهاية أخرى - 2024» (Another End)، الذي يدور حول حوار بين ذاكرتنا البشرية والذاكرة الرقمية، حيث يتفاقم الأمر لنُصدَم بأننا نفقد أشياءنا الصغيرة، فضلًا عن محاولة البحث عن بطولات قادمة من ذاكرة الشعارات. وكذلك فيلم «مُت يا حُبِّي - 2025» (Die My Love)، حيث الأم تعيش تفكُّكًا داخليًّا، وإهمالًا كبيرًا، وتشعر أن كل محاولاتها لا يقابلها سوى صمت عنيف، فتثور، وترفض تلك الهوية المختزلة في دورٍ اجتماعيٍّ ضئيل وتذهب للبحث عن خلاصها، برغم أن جميع من حولها يرون فيها بطلة قامت بدورها كما يجب.

كما طَرحت سينما ما بعد الهوية قلقنا الوجودي وقضايا الإنسان المعاصر، كالشعور بالتيه، والغُربة الكونية، ومحاولة فهم الواقع المتغير السريع، وفهم العالم من حوله، وقد ترك هذا التغير نحو أفلام ما بعد الهوية بكل تصنيفاتها مساحةً للمشاهد ليكون حياديًّا، أو تأويليًّا، أو مُتعاطفًا، أو أن يكون هو الفيلم؛ فهو من يقرر إن كان شبيهًا بالبطل أو مجرد مشاهد.



لقطة من فيلم «باترسون - 2016» (Paterson)

باتت سيولة الهوية تتجلَّى في صراع الشخصيات وتُشكّل حياتها، مع فكرة تبدأ وتنتهي عند حياة يومية بسيطة، لا تشترط بلوغ ذروة مُحدَّدة ومفصليَّة، أو مسارًا يحمل عقدة القصة/الفيلم، ففتحت بذلك الباب أمام القراءات المتعددة بدلًا من توجيه المُشاهِد نحو فكرة واحدة مُتَّفق عليها سلفًا، وأصبحت هناك معالجة للهوية في حيِّز ضيِّق، ضمن ممارسات الحياة اليومية. نلحظ ذلك مثلًا في فيلم «باترسون - 2016» (Paterson) للمخرج (جيم جارموش)، حيث بطل الفيلم الشاعر الهادئ، البعيد عن الصخب، الذي يكتب يومياته ويعيش حياة بسيطة، بعيدًا عن الصراعات الكبرى التي يلاحظها في أشعار الآخرين، ويمضي بفهمٍ آخر لمعنى وجوده، وقلقه؛ قلق لا يمكن تحديده في دائرة قوميته فقط، وبذلك يُعالِج الفيلم الهوية بعيدًا عن البطولة.

الأمر نفسه حدث في فيلم «مانشستر على البحر - 2016» (Manchester by the Sea)، الذي أخرجه (كينث لونرغان)، فنرى البطل يُعرِّف هويته من خلال انكساره ومخاوفه لا أكثر، ومن خلال إعادة تشكيل الهوية حسب معطيات زمنه وما يشعر به من ألمٍ ذاتيٍّ، ذلك الألم الشخصيّ الذي نلاحظه كذلك في فيلمَيْ المخرج داود عبدالسيد: «الكيت كات - 1991» و «أرض الخوف - 2000»، ومع أنها كانت فترة لبقايا أفلام ترتكز على الهوية في جوهرها، إلا أن البطل في الكيت كات (محمود عبدالعزيز) في دور الأعمى بهويته الشعبية، يعيش ويتفاعل مع مشاكله كمواطن عادي دون أن يجعلها شعارًا، بل يصادقها كأسلوب حياة، ويمنحها بُعدًا آخر، ذلك البعد نلمسه أيضًا في فيلم «أرض الخوف»، حيث تُناقَش الهوية من خلال صراع البطل مع دوره الذي فُرض عليه، ليعيش أزمته الذاتية الخاصة مُتجاوزًا مفهوم الهوية التقليدية.

كما نلحظ ذلك جليًّا في فيلم «نومادلاند - 2020» (Nomadland) عندما تُقرّر البطلة أن ترحل بعد كل الضغوط، ليس بحثًا عن هوية بديلة، فهذه لم تعد قضيتها، بل نتيجةً لظروفها الاقتصادية والنفسية، والضغوط الشخصية، وكأن الهوية صارت هي البحث عن قصص بسيطة لبطولات ذاتية في مواجهة أعباء الوجود، وهي تتمثَّل في مدى تكيُّفنا وقوتنا في مواجهة الهشاشة البشرية، ومدى وعينا الفردي، والبحث عن معنى، بدلًا من البحث عن مكانٍ مُحدَّد وشعارٍ جمعيٍّ مُلزِم، وتعريفٍ شموليٍّ لوجودنا.

إن مرحلة ما بعد الهوية في السينما المعاصرة ليست إلغاءً مقصودًا وتامًّا لقضية الهوية والقضايا الكبرى، ولكنها صياغات جديدة مُلِحَّة، من الناحية الفنيَّة الجمالية ومن ناحية الموضوع أيضًا، في زمن جديد يتحوَّل ويتغيَّر بسرعة هائلة، وتتكوَّن رؤاه لصالح الإنسان في قضاياه اليومية والمعاشة، وفي عالم مُتَّسِع ومُتشظٍّ.