عودة

ذاكرة للمستقبل عن الفرنسي كريس ماركر.. رائد فيلم المقالة


عزيز محمد

15/03/2026

وُلد المخرج الفرنسي (كريس ماركر) في 29 يوليو عام 1921، وتُوفّي في يوم عيد ميلاده عام 2012. لم تكن هذه المصادفة هي وجه الغرابة الوحيد في حياته التي امتدت 91 عاماً بالتمام. فمُواطنه ورفيقه (آلان رينيه) وصفه بأنه «نموذج رجل القرن الحادي والعشرين»، مُعبِّراً عن تجاوزه لزمنه. لكنه أيضاً يمكن أن يكون شبحاً من القرن التاسع عشر، إذ لا يتجاوز عددُ الصور المتوفرة لوجهه طيلة حياته أصابعَ اليد. فإذا طلب منه أحدهم صورةً جديدةً، يعرض عليهم صورة قِطٍّ. أما إذا طلبوا منه الحديث عن نفسه، فإنه يقول إن أفلامه تفي بالغرض. من الصعب إذاً تصنيف ماركر، لكن ربما يمكننا فهمه بشكل أفضل من خلال قراءة سيرته الذاتية والعملية، مستوحين طريقته الاستقصائية في قراءة الآخرين.

رجل بلا تصنيف

درس ماركر الفلسفة، ثم بدأ حياته المهنيَّة من باب الصحافة المكتوبة، وتبلور اهتمامه بالسينما منذ بدايات عمله الصحفي، حيث تزامل في أول مجلة عمل فيها مع الناقد الفرنسي (أندريه بازان) الذي عيَّن ماركر لاحقاً للكتابة لمجلته «دفاتر السينما». عمله في الصحافة سمح له أيضاً بالترحال حول العالم، إذ تكفَّلت بمصاريفه دار نشر طلبت منه سلسلةً من المقالات تتضمَّن معلوماتٍ وصوراً عن كل دولة يزورها، وهذا ما أضاف إلى مواهبه المتعددة موهبة أخرى: التصوير الفوتوغرافي.

إلى جانب كتاباته في السياسة والشعر والقصة القصيرة والنقد السينمائي، نشر ماركر عام 1949 روايته الأولى «القلب النقي» والتي وظَّف فيها تجاربه في السفر. وعام 1952 نشر دراسة مُدعَّمة بالرسوم عن الكاتب الفرنسي (جان جيرودو)، وهو العام ذاته الذي صنع فيه فيلمه الوثائقي الأول «أولمبيا 52 - 1952» (Olympia 52). وحين انطلقت تجربته السينمائية انطلاقتها الحقيقية مع فيلمه الثاني «التماثيل تموت أيضاً - 1953» (Statues Also Die)، كان ماركر يملك كل هذه الخبرات الفنية والأدبية المتنوعة التي لن تنعكس على مواضيعه وسردياته اللغوية فحسب، بل أيضاً على الأساليب البصرية التي سيختارها لأفلامه.

تستعصي سينما ماركر بدورها على التصنيف، بنفس الدرجة التي يصعب فيها تصنيفه كشخص. ورغم أنه اعتُبِر منذ بداياته ضمن حركة «الضفة اليسرى» السينمائية، رفقة (آلان رينيه، وآنييس فاردا، وآخرين)، إلا أنه لم يكن يُشبه أحداً فيهم. وقد اتَّضحت فرادته بشكل حاسم حين ابتدع نوعاً سينمائياً جديداً عُرف لاحقاً بفيلم المقالة، رغم أنه لم يتبنَّ بدوره هذه التسمية. وحسب تعبير الناقد روي آرمز: «تملك السينما الفرنسية كُتّابها الدراميين، وشعراءها، ومخرجيها التقنيين، وصانعي سيرها الذاتية، لكنها لا تملك سوى مخرج مقالة حقيقي واحد: كريس ماركر».

الخمسينيات: من الوثائقية إلى المقالية

يمكن تعريف فيلم المقالة بأنه مقال يستخدم الصورة والصوت بدلاً من الكلمات المكتوبة، فيُميّز نفسه عن المقال المكتوب بكونه يترك مساحة للّغة البصرية، ليس فقط ليُعبِّر عن مكنون الكلمات، إنما ليتباين معها بشكل يضيف طبقات جديدة من المعاني، ويميِّز نفسه عن الفيلم الوثائقي بكونه يجمع بين التأمل الذاتي والتحليل الفكري. ينتمي هذا النوع بالضرورة إلى سينما المؤلف، إذ يتيح لصانعه حرية شبه كاملة في اختيار نبرة وعوالم ومسارات الفيلم، بل وحتى نقد تأليفه نفسه، من خلال إخضاع اللقطات التي التقطها للمساءلة عبر التعليق الصوتي أو العكس. وهذه الحرية هي ما سمحت لهذا النوع التجريبي بالنمو والعثور على إمكانيات وأصوات جديدة يستكشفها فيه، في عصرنا هذا بالذات أكثر من أي وقت مضى.

بدأ ماركر أُولى تجاربه في هذا النوع مع فيلم «رسالة من سيبيريا - 1958» (Letter from Siberia). ورغم أن الفيلم ينتمي بشكل أعمّ إلى أفلام الرحلات الوثائقية، نرى فيه الكثير من ملامح فيلم المقالة التي سيطوّرها ماركر ويُخلِص لها بشكل أكثر تطرفاً في أفلامه اللاحقة. يسرد الراوي أحداث الفيلم في صيغة رسالة إلى أحدهم، يُحدّثه فيها بنبرة مرحة عن مشاهداته في سيبيريا، ناقلاً له عاداتهم وتقاليدهم وأساطيرهم، وبهذا ينأى بنفسه عن النبرة التقريرية المعتادة للوثائقيات آنذاك. ويضيف الفيلم عدة لمسات ثورية بالنسبة إلى زمنه، فهو فيلم رحلة عن مكان لا تُشَدُّ إليه الرحال، يتضمَّن مشاهد لرسوم متحركة، كما تتخلَّله دعاية ساخرة عن الاستخدامات المتعددة لحيوان الرنّة على غرار الدعايات التلفزيونية.

إن سينما ماركر، رغم فرادتها، ليست منفصلة عن الإرث السينمائي السابق له، فهذا الفيلم يمكن أن يكون امتداداً لعوالم الكَنَدي (روبرت فلاهيرتي) مخرج فيلم «نانوك الشمال - 1922» (Nanook of the North)، أحد أهم أفلام الحقبة الصامتة في السينما، والفيلم المؤسس لأفلام الرحلات الإثنوجرافية التي تستكشف أساليب حياة الشعوب في المناطق النائية. ربما لهذا لم يتطرق ماركر كثيراً إلى سيبيريا المعروفة بمعتقلاتها الشيوعية، وأَوْلى اهتمامه إلى الجانب الإنساني والحضري الذي يكشف الوجوه الأخرى للمنطقة، مستخدماً تركيبة سردية قريبة من فلاهيرتي الذي تبنَّى أسلوباً شعرياً في عرض الوثائقي مع إضفاء طابع روائي عليه.

يبرز تشكُّك ماركر في جدوى الأسلوب الوثائقي وعجزه عن نقل الحقيقة في مشهد عند منتصف الفيلم، يعرض فيه لقطات للعُمَّال السوفييت، ويشاركنا تردده في اختيار النبرة الأنسب لوصف حالهم، فيلجأ إلى عرض المشهد نفسه ثلاث مرات على التوالي بتعليق مختلف في كل مرة: مرة بنبرة دعائية للاتحاد السوفييتي، ومرة بنبرة مُناهِضة للاتحاد، ومرة بنبرة يحاول أن يجعلها موضوعية. لكنه يقول في النهاية إن الموضوعية تعزل هؤلاء العمال وتجرِّدهم، وبالتالي تُشوِّه صورتهم بالقدر الذي تشوِّههم بها النبرتان السابقتان. هذا العجز عن الموضوعية الذي يشغل ماركر هنا قاده إلى قطيعة مع الوثائقية وإلى الأسلوب الذاتي الذي يتبنَّاه فيلم المقالة بشكل أكثر صراحة؛ فيلم يروي حقيقةَ سارِدِهِ فحسب ولا يدَّعي أنها حقيقة العالم الموضوعية. لكن قبلها سيُجرّب ماركر أن يصنع أكثر أفلامه قرباً من الفيلم الروائي، والذي سيتخطَّى به -رغماً عنه- الشهرةَ المحدودةَ التي حافظ عليها حتى تلك اللحظة.

لقطة من فيلم «الرصيف - 1962» (La Jetée)

الستينيات: الانطلاق إلى العالمية

الفيلم الذي أطلق شهرة ماركر عالمياً هو فيلم خيال علمي قصير، بعنوان «الرصيف - 1962» (La Jetée)، تدور أحداثه بعد حرب عالمية ثالثة أدَّت إلى تدمير باريس، إذ تحاول مجموعةٌ من العلماء إنقاذ البشرية من خلال إرسال رجل إلى الماضي أو المستقبل للبحث عن موارد أو حلول، مستعينةً بذكرى قوية من طفولته تسمح له بالسفر عبر الزمن: صورة امرأة على رصيف مطار، ورجل يُقتَل أمامه.

قد يكون «الرصيف» حالة فريدة بين أفلام ماركر من حيث كثافة الخيال فيه، لكن هاجس السرد ليس غريباً على الصحفي والروائي والقاص قبل أن يصبح مُخرجاً. يقول في العبارة الافتتاحية للفيلم: «هذه قصة رجل موسوم بصورة من طفولته»، وفي هذه العبارة يتردَّد صدى أفلامه ورحلاته التي كثيراً ما بدأت بدافع مشابه. في مطلع فيلم «يوم أحد في بكين - 1956» (Sunday in Peking)، أول أفلام رحلاته، يستعرض ماركر ألعاب الطفولة التي كانت تصله من الصين والتي ولَّدت لديه حلماً بزيارة هذه البلاد البعيدة والملوَّنة. تتكرر هذه الإحالات إلى طفولته في بقية أفلامه، وتؤكِّد مقولة مواطنه الفيلسوف غاستون باشلار: «كل سرد يعود إلى الطفولة».

لكن صورة الطفولة في «الرصيف» ممتلئة بشيءٍ نادراً ما يُظهره ماركر: الشجن. وكم هي مفارقة لافتة أن يكون أكثر أفلامه مستقبلية هو أكثرها نوستالجية؛ فالبطل هنا مفتون بصور الماضي، إلى حدِّ أن يُقامر بحياته مقابل العيش في ذلك الزمن المفقود. ففي عالم ما بعد الكارثة، المظلم والكئيب، تصبح العودة إلى زمن مضى وسيلةَ الإنسان للبحث عن الحب والدفء والاتصال البشري، حتى حين يُتاح له السفر إلى المستقبل. والثمن الذي يدفعه مقابل هذه النوستالجيا باهظ جداً كما سنرى في النهاية.

الطريقة التي يُعرَض بها الفيلم على شكل صور ثابتة، بالأبيض والأسود، تضعنا أيضاً في قلب تلك النوستالجيا، كما لو كنا نشاهد الفيلم عبر آلة لعرض الصور الأرشيفية. ورغم أن الحركة مفقودة إلا أننا لا نفتقد حضورها، فالصور التي يختارها ماركر تُبلِّغ المعنى وتُحرِّك الخيال وتراهن على جماليات لا تقلّ عن جماليات اللقطات المتحركة. ومع ذلك يترك ماركر في منتصف الفيلم لقطة متحركة واحدة، لا تدوم سوى ثوانٍ قصيرة، لعشيقة الرجل وهي تصحو من نومها، فتبدو وسط فوج اللقطات الثابتة أشبه بحلم لا يرغب البطل بالاستيقاظ منه. وفي تلك الثواني القصيرة يجعلنا ماركر نفهم الرجل جيداً، فنحن أيضاً نجد أنفسنا مترددين تجاه عودتنا إلى صور العالم «الديستوبي» التي تخنق أنفاسنا طوال الفيلم.

السبعينيات: سينما النضال مع الشهرة تزداد مسؤولية الفنان، أو ربما هذا ما تصوّره ماركر على الأقل. فبعد «الرصيف» واصل ماركر البحث عن خلاص البشرية، لكن في أرض الواقع هذه المرة. كانت هذه هي الفترة الأكثر نشاطاً وتنوعاً في مسيرته، سواء خارج أو داخل فرنسا، لكن جاء هذا على حساب نبرته الذاتية. فبعد أحداث مايو 1968، أسَّس ماركر مع رفاقه من ذوي الفكر التقدمي واليساري جماعةَ «إيسكرا»، تيمّناً باسم جريدة لينين السرية. هدفت هذه الجماعة إلى دفع عُمَّال المصانع إلى صنع أفلامهم النضالية الخاصة، وتولَّى ماركر مهمة إنتاجها أو إخراجها.

مدفوعاً بنشوة اللحظات الثورية المفصلية في الستينيات والسبعينيات، واصل ماركر توجيه كاميرته إلى حركات النضال في فرنسا، وكوبا، وتشيلي، والبرازيل، وفيتنام. تحاول أفلامه في تلك الحقبة، والتي لا تخلو من بعض الضلالات السياسية، أن تنحت بعمق وبصيرة ضمير المجتمع البشري، وتُعيد تشكيل وعينا تجاه القضايا الكبرى، لكن سيتضح أن هذه مهمة أكبر من أن تتولاها السينما. فرغم الجهد الذي وضعه ماركر في صناعتها، بالكاد تركت هذه الأفلام بصمةً تُذكر.

عاد ماركر عام 1977 لمراجعة هذه الحقبة وتحليلها، وذلك في فيلمه الثوري قلباً وقالباً «ابتسامة بلا قِطَّة» (Grin Without a Cat)، متتبِّعاً تاريخ الحركات الاشتراكية في الستينيات والسبعينيات في فرنسا وأمريكا اللاتينية بعد خفوت نشاطها. العنوان الأصلي للفيلم بالفرنسية يمكن ترجمته أيضًا إلى «جوهر الهواء أحمر»، ويعني أن هذه الحركات الاشتراكية لم تُوجد إلا في الهواء، أو استحالت إلى فراغ. يعود ماركر هنا إلى التأمل الذاتي، ولعل شعوره بالتشكك تجاه نشاطه السينمائي النضالي هو ما قاده إلى هذه النبرة. ما بين اللقطات التي وثَّقها من قلب الحدث، وتعليقه الصوتي التأملي والمحايد قدر الإمكان، نرى من ناحيةٍ رجلاً ينتمي بشدة إلى تحوّلات زمنه، ومن ناحيةٍ أخرى يبدو منفصلاً عن واقعه إذ يتأمله من بعيد، فيحاول أن يجد إيقاعه الخاص الذي يمنحه رؤية أوسع لما يجري، وفي الوقت نفسه يبحث بشكل مجهري في الروابط الخفية للإيماءات والخفايا الصغيرة التي غيّرت وجه التاريخ وأدّت إلى هذه الخيبة.

(1983): نحو سينما أكثر ذاتية

اللقطة الافتتاحية من فيلم «بلا شمس - 1983» (Sans Soleil)

بعد تشبُّعه بالثقل التاريخي للستينيات والسبعينيات، صنع ماركر في مطلع الثمانينيات فيلمه الأشد إخلاصاً لنوع السينما المقالية: «بلا شمس - 1983» (Sans Soleil)، والذي يتناول فيه ماركر ملاحظاته عن رحلة يخوضها في أجزاء مختلفة من العالم، عن طريق امرأة تقرأ رسائله إليها. عام (2014)، اختارت مجموعة من النقاد في استفتاء في مجلة «Sight and Sound» هذا الفيلم بصفته أعظم فيلم وثائقي على الإطلاق، باعتبار أن نوع فيلم المقالة يقع ضمن مظلة الوثائقيات. إلا أننا لا يمكن أن نتجاهل العنصر الخيالي الذي يضيفه ماركر في هيكل الفيلم، إذ لا يعبأ بعكس حقيقة أو واقع بقدر ما يخلق رابطاً بين الصوت والصورة يُمرِّر به فلسفته الخاصة حول موضوعاته المفضلة: الذاكرة والإنسان وكيف يشكِّل الزمن العلاقة بينهما، مبتدئاً من صور الطفولة.

في هذا الفيلم يجعل ماركر الغريب يبدو مألوفاً، والمألوف يبدو غريباً، إذ تشعر بمدى اندماجه في أشد أنحاء أفريقيا جوعاً وفقراً، ومدى اغترابه في الطريقة التي يُجدِّد بها نظرته إلى الثقافة اليابانية عند عودته إليها بعد وقت طويل. في بداية الفيلم نرى لقطات لمسافرين يابانيين نائمين في قطار، صوّرها ماركر بشكلٍ شِعريٍّ حالمٍ، في تباين مع بعض أفلامه المبكِّرة التي التقطتْ في المسافرين اليابانيين النائمين في القطار دلالات على الإنهاك واستبداد المدينة التي تمتصُّ طاقتهم. ثم نسمع هذا التعليق بصوت المرأة: «قال لي: بعد أن جبتُ العالم، وحدها التفاهات صارت تجذب اهتمامي». غير أنه لا يقاوم بعدها أن يربط تلك اللحظات التافهة بالقضايا الكبرى، فمن خلال العابر والمهمَّش تتسرَّب أعمق أحلام اليقظة، وتتجلَّى الإيماءات الأكثر كشفاً لبواطن الإنسان الحديث.

حين سُئل من قبل عن استخدامه المتكرر لضمير المتكلم في أفلامه، قال: «كل ما أملك أن أعطيه هو نفسي». لكن في «بلا شمس» يبدو أن هناك نوعًا من التحول يتوازى مع تغير الضمير، إذ نسمع تعليقاته على لسان امرأة تتحدث عنه بصيغة الغائب. يتراجع إذاً حضور ماركر ولا نراه إلا عبر وسيط، لكن المفارقة أنه يُعبِّر عن نفسه هنا أكثر من أي فيلم آخر، فمسافة الغياب تسمح له بهذا الانكشاف دون أن يبدو متمحوراً على ذاته و«تفاهاته». ولعل هذا ما سينحو به بعدها إلى الاشتغال على سلسلة من الوثائقيات التي تتناول مخرجين آخرين، وكأنه فرَّغ ذاته كاملةً في هذا الفيلم.

مخرج المخرجين

ظل ماركر طوال مسيرته يتساءل عن دور الفنان، وخفايا العملية الإبداعية، ولِمَ نصنع الفن الذي نصنعه، وكيف نصوغ العالم عبر الفن بأصدق صيغة ممكنة، نرى هذا بشكلٍ خجولٍ في فيلم صنعه في منتصف السبعينيات بعنوان «عزلة مُغنّي المسافات البعيدة - 1974» (The Loneliness of the Long Distance Singer)، عن استعدادات الممثل والمغنّي الأيقوني (إيف مونتان) لحفلةٍ أقامها لدعم لاجئين سياسيين من تشيلي بعد أن وقعت تحت سيطرة حُكم ديكتاتوري عسكري. لكن بعكس فيلمه عن مونتان، فإن أفلامه التي صنعها في الثمانينيات عن فنانين آخرين تظهر متحررة من الدافع النضالي، إنها مشغولة بعمل الفنان وحسب.

في «أ. ك. - 1985» (.A.K) يكتفي بالمراقبة، مُتيحًا المساحة للمُعلِّم الياباني (أكيرا كورساوا) وطاقمه أثناء تصوير إحدى تُحَفِهِ الأخيرة: «ران - 1985» (Ran). في المقابل، فإن فيلمه عن (أندريه تاركوفسكي) «يوم من حياة أندريه أرسينيفتش - 1987» (One Day in the Life of Andrei Arsenevich)، يتخذ مسارًا مختلفًا في الاقتراب والتأمل، فيُقدِّم تحليلاً شاملاً لشاعر السينما الروسية، متتبعاً فلسفته وأسلوبه ومواضيعه منذ بداياته المبكِّرة وحتى لحظاته الأخيرة على سرير المرض. ليس هذا فيلم سيرة ذاتية، فهو ليس مشغولاً بالجانب الوثائقي فحسب، إنما يأخذ من الفيلم المقالي طابعه التأملي ليعالج كل هذه الأسئلة والإشكالات التي خلَّفتها في نفس ماركر ثلاثة عقود من الترحال والكتابة والتصوير وصناعة الأفلام.

لكن آخر الأفلام التي صنعها من هذه السلسلة، فيلم «البلشفي الأخير - 1993» (The Last Bolshevik)، أو «قبر ألكساندر» حسب العنوان الفرنسي، يتخذ مَنْحى مختلفاً، ويعود ليواجه ماضيه النضالي بشكل مباشر. يعيد ماركر قراءة الثورة الاشتراكية البلشفية عبر مسيرة المخرج السوفييتي ألكساندر مدفكين، الذي كان أحد أهم المروِّجين لها عبر روائع سينمائية مثل «السعادة - 1935» (Le Bonheur). يكشف ماركر عن التناقضات بين السينما والحقيقة، ولا يهدف بهذا إلى نقض بروباغاندا الاتحاد السوفييتي فحسب، بل إلى تحليل آليات الخيال الدعائي عموماً، ومُساءلة السرديات التاريخية المكرَّسة التي تجد طريقها إلى خداع حتى أكثر أصحاب النوايا الإنسانية نبلاً وأشدّهم رغبة في الإصلاح.

التسعينيات: سينما التكنولوجيا الرقمية

غلاف فيلم «المستوى الخامس - 1997» (Level Five)

كان ماركر من أوائل مَن أدركوا أهمية دور التلفاز في استمرارية السينما، وخصَّص مجموعة كبيرة من أفلامه منذ أواخر الخمسينيات ومطلع الستينيات للعرض التلفزيوني، بعكس الأغلبية العظمى من المخرجين الكبار آنذاك الذين رأوا في التلفاز تهديداً أو وسيطاً أقل شأناً من السينما. وامتداداً لتبنِّيه المبكِّر للتقنيات الحديثة وتبشيره بها، كان ماركر في التسعينيات من أوائل المخرجين الذين تناولوا الفضاء الرقمي (الإنترنت والواقع الافتراضي) كمفهوم ووسيط فنِّي في آنٍ واحد، إذ مزج في أفلامه الصور الرقمية، وشاشات الحاسوب، واللقطات الأرشيفية، طارحاً أسئلة حول اختلاف ذاكرة الإنسان عن الذاكرة الرقمية، وما يحدث عندما نُسلِّم التاريخ إلى الآلات.

يُصنَّف فيلم «المستوى الخامس - 1997» (Level Five) ضمن ما يُعرف بالوثائقيات الزائفة، أي أنه فيلم روائي لكنه يتَّبع الأسلوب الوثائقي في عرضه، كما لو كان قصة حقيقية. ويتناول الفيلم رسائل بين كريس ماركر ولورا (تؤدي دورها الممثلة كاثرين بلخوجة)، وهي أرملة صديقه المبرمج، والتي تحاول التصالح مع فقدان زوجها من خلال إكمال آخر لعبة إلكترونية صمَّمها قبل وفاته. يُعدُّ تناول ماركر لتفاعل الإنسان مع الفضاء الرقمي هنا سابقًا لزمانه، ليس فقط من حيث الشكل البصري في الفيلم، بل أيضاً من حيث قدرته التنبؤية على ما سيؤول إليه هذا التفاعل، والذي سيصبح وسيلة معاصرة لمعالجة الاكتئاب ومفاقمته في الوقت نفسه. فتماهي لورا مع الضحايا في لعبة زوجها (لعبة تحاكي معركة أوكيناوا؛ أكثر معركة دموية بين أمريكا واليابان في الحرب العالمية الثانية) يصبح وسيلة إلهاء بقدر ما هو وسيلة استغراق في مشاعر الفقد والحداد، ونجد أنفسنا نتساءل إذا كانت تتشافى فعلاً أم تزداد بؤساً بهذا التماهي.

الألفية: حتى الرمق الأخير

بعد «الرصيف - 1962» (La Jetée)، صنع ماركر فيلماً آخر بعنوان «لو كان لدي أربعة جِمال - 1965» (If I Had Four Dromedaries). يتكوَّن بدوره من لقطات فوتوغرافية ثابتة التقطها خلال أسفاره، نراها على خلفية حوارات فلسفية بينه وبين صديقين. يقول في أحد تعليقاته عن الصورة الفوتوغرافية: «الصورة: إنها غريزة الصيد وقد جُرِّدت من رغبة القتل. إنها صيد الملائكة. يُضيِّق المرء الخناق على الطريدة، يُسدِّد، ويُطلق، وكلاك! والنتيجة هي الخلود بدلاً من الموت». وفي «تذكَّر الأشياء القادمة - 2001» (Remembrance of Things to Come) وقد بلغ الثمانين من عمره، يعود ماركر إلى أفلام الصور الفوتوغرافية، ربما باحثاً عن ذلك الخلود، ويُقدِّم إحدى أجود مقالاته السينمائية وأقلها حظاً وشهرة. لم تَشِخْ نظرة ماركر الثاقبة بمرور العقود، بل ربما زادت حدَّة، وظرافة. ففي هذا الفيلم يُحلِّل تاريخ فرنسا في الثلاثينيات من القرن العشرين من خلال عدسة المصورة (دينيس بيلون) التي التقطت صوراً لبعض أهم شخصيات وأماكن ونشاطات تلك الفترة، موثقةً الهدوء الذي يسبق عاصفة الحرب العالمية الثانية. تحليل ماركر يستنطق ما اختزنته هذه الصور من تاريخ، لكنه يُحلِّل أيضاً ما تحمله من نبوءات. فاهتمام ماركر لا يقتصر على ترميم ذاكرة للماضي، إنما أيضاً على تأسيس ذاكرة للمستقبل.

إن السهولة والخِفَّة التي نُعامل بها الصور هذه الأيام تخبرنا الكثير عن هوياتنا غداً. يبدو أن ما نفتقده في السينما اليوم هو هذه القدرة على أن تتنبأ الأفلام بالغد، بل وتقوده بشكل ما. فأفلام اليوم، بغض النظر عن جودتها، تبدو مجرد استجابة للثقافة والواقع المعيش والتقدم التكنولوجي الذي يوجهها ويحدِّد مساراتها، وبالتالي تقف في موقف التابع المسيَّر، إذ تحاول جاهدةً مواكبة واقع سرعان ما يتجاوزها ما إن تكاد تبلغه. إن حركة العودة إلى الماضي وبعث الأرشيف التي نشهدها اليوم في الفن، وفي الوسائط البصرية بشكل عام، تحاول مقاومة هذا التسارع، من خلال فرض إيقاعها الخاص ضد حُمَّى التقدم التي تحيط بنا من كل اتجاه. ما يمكن أن نتعلمه من ماركر هو أن هذه العودة والتهدئة والمقاومة لا يجب أن تكون فعلاً هروبياً منفصلاً عما يقاومه، رغم كل القوى التي تقول إن التاريخ مغلَق وتم تفسيره وفكّ كل رموزه. وبالتالي لسنا مُلزمين بأن نعيش الحاضر بالشكل الذي فرضته هذه الحتميات التاريخية التي تقتل تخيلاتنا للمستقبل في مهدها. كما يقول في فيلم «بلا شمس»، فلنتذكر أننا: «لا نتذكر فقط، وإنما نُعيد كتابة الذاكرة مثلما نُعيد كتابة التاريخ».