شارك
كانت الأفلام الثلاثة الأُولى للمخرج داود عبد السيد: «الصعاليك - 1985»، و«البحث عن سيد مرزوق - 1990» و«الكيت كات - 1991»، التي شاهدتُها في فترة تحولاتي الفكرية والنفسية في بداية التسعينيات، بمثابة عربون الصداقة التي ستطول بيني وبين المخرج وأفكاره. هذه الثلاثية ضمَّت أفكاره الأساسية التي ستُشكِّل رحلة أبطاله ومسار مشروعه الفكري السينمائي، فلم تكن هذه الأفلام تُمثِّل فقط البدايات، ولكنها البدايات التي تحمل المستقبل.
كنت أبحث آنذاك عن لغة سينمائية مُتحرِّرة، عن أخلاق جديدة ليست هي الأفكار التنويرية الجذرية والمُسَيَّسة، كالتي توجد في أفلام يوسف شاهين، الذي أحببته أيضًا في مرحلة مُبكِّرة، كونه يمنحك عضوية مجانية في نادي المتمردين المُسَيَّسين، ومن دون تقديم أي تضحيات، بل يدفعك إلى هذه الحافة، بينما على الوجه الآخر لهذه الأفكار المُسَيَّسة، لا توجد سوى الخيانة، أو الخواء، الذي يعيشه أبطاله، كأنه ليس هناك مجتمع، يقف بين البطل والأفكار، بل هناك سقوط مُدوٍّ للبطل المثقف الخائن الذي يُمثِّله وينقده شاهين في آنٍ.
لقطة من فيلم «الكيت كات - 1991»
أيضًا لم أعثر على هذه الأخلاق الجديدة، مُمَثَّلة في تيار الأفلام السائدة آنذاك، التي لا يتوفَّر في أغلبها هذا البعد الرؤيوي الشامل والكُلِّي، وتعتمد على معالجة المشاكل الاجتماعية، أو الحكاية الاجتماعية المُكرَّرة التي لا يميل إليها داود، على الرغم من أهميتها، كونه يملك رؤية فكرية مختلفة يرى من خلالها حياة أبطاله، فخلف كل أزماتهم الاجتماعية تظل مشكلة التحرُّر، ومواجهة السُلطة، والرغبة في الاتساق مع النفس، تؤرقهم وتُوجِّه حيواتهم.
لم تخضع أفلام داود، لهذا الإملاء الرومانسي للحكاية الاجتماعية، بل كانت من فيلم لآخر تبحث عن رحلة وعي لأبطالها، وغالبًا ما يكون بطلها له سِمات مُعيَّنة؛ فهو قادر على التساؤل وتحمُّل مسؤولية قراره، لذا له استقلاله النسبي عن الجماعة، وإرادته النسبية في تقرير مصيره، وتحمُّل تبعاته، وهنا ربما يكمن الفكر المُتحرِّر والمسؤول الذي كان يبثُّه في أفلامه.
كان هَمُّ السينما الاجتماعية الرومانسية البحث عن الثنائيات؛ تلك الحرب المحسومة بين الخير والشر، للخروج بنهايات سعيدة لأبطالها، حتى التناقض الطبقيّ قفزت فوقه لصالح الحب بين البطل والبطلة المختلفَيْن طبقيًّا، والوصول إلى لحظة المساواة، من دون مجهود شخصي، سوى الوقوع في الحب. وهذا هو حلم المساواة في نسخته اليسارية الرومانسية، وانتصار للجماعة على الفرد.
أمَّا عند داود فالمساواة هي جوهر هذه الأخلاق الجديدة، ولكنها ناتجة عن رحلة وعي البطل/المخرج، فالحبُّ نتاج لحظة تنوير شخصية، تُعيد تَصوُّر علاقته بالآخر وبنفسه، وبالمجتمع، ويكتسب البطل فردانيته عبر هذه الرحلة الشخصية.
في سينما داود عبد السيد يخوض البطل رحلة تنوير على مسؤوليته الشخصية، ليست خاضعة تمامًا لسُلطة الجماعة الكبيرة وتقاليدها، أو تحت مسؤولية أي نظرية تحرُّر سياسية. ولكن هناك ما هو أبعد؛ ربما تخضع لمكان حدسي تتولَّد منه الصدفة، التي تتحول إلى خط البداية لهذه الرحلة، وسرعان ما يستجيب لها البطل كطُعم ويُكمل حياته على أساسها، كأنه لم يكن له وجود قبلها.
عادةً ما تبدأ أفلامه بينما بطله في منتصف هذه الرحلة، فهو له حياةٌ سابقةٌ لم نعشها معه، ولكن لها حضور في الحكاية، وعادةً ما يكون الحدث الأهم/الصُّدفة ذروة الأزمة التي يعيشها بطله، لتبدأ معها سلسلة من الأحداث الصغيرة والمفارقات، كي يتجاوز هذا البطل أزمته، أو يكتشف بوعيٍّ نقديٍّ حدود قَدَرِه الذي يُسيِّر حياته، فيتَّخذ طريقًا جديدًا، مثل (يوسف كمال) في فيلم «البحث عن سيد مرزوق»، و (يحيى أبو دبّورة) في «أرض الخوف - 1999»، و(الساحر رؤوف، ونرجس) في «أرض الأحلام - 1993»، و (يحيى) في «قدرات غير عادية - 2015».
لقطة من فيلم «أرض الخوف - 1999»
حتى ولو كان هذا التحرُّر يأخذ طُرقًا مُلتوية، يتقاطع فيها الواقع مع الحلم، فبطله ليس بطلًا بالمعنى الدارج، ولكنه نموذج البطل المضاد من حيث الشكل والسلوك، مثل (الشيخ حسني) الذي كانت حياته كلها تراجعات وهزائم شخصية، بدءًا من العاهة إلى موت زوجته، إلى وَلعِه بالمكيّفات، وبيعه البيت الذي ورثه عن أبيه من أجل مزاجه. ولكن هذه الهزائم الشخصية على مستوى آخر، كسرت كل التوقعات المُنتظرة من الشيخ الكفيف؛ فهناك تنوير يحدث لهذا البطل الضد، عبر كسر كل هذه المعجزات المُنتظرة، فهزيمته المجازية تُمثِّل ظهور الجانب الآخر من مفهوم الهزيمة، وهو إعادة نقد النموذج الذي يتبنَّاه هذا البطل لنفسه، أو الذي ينتظره المشاهدون، وإعادة النظر في حياته دون أوهام، وفهمه للقدرة المحدودة التي يملكها. ولكن، في الوقت نفسه، وهذا هو الأهم، يجاورها هذا الأمل المُتولِّد من فعل النقد نفسه، لهذه الذات التي تحب الحياة، وتعتبر نفسها جزءًا منها، ومن تناقضاتها. فانتظار حدوث المُعجزة، كان سمة جمهور السينما الاجتماعية التي تُحرِّك المُعجزات أحداثها، أمَّا في سينما داود فهناك الصدفة، أو الحدث الكبير الذي تتفرَّع منه الخيوط ليصنع نسيج الفيلم المُتشعِّب في اتجاهات عدَّة تتجاوز الثُنائيات المُكرَّرة للسينما الاجتماعية، مع الاحتفاظ بنوع من التفاؤل الميتافيزيقي.
كانت هناك نظرة من مخرجي جيل الواقعية الجديدة، الذي ينتمي إليه داود، لهذا البطل المضاد، أو اللابطل، كونهم أبناء جيل هزيمة 67، نشأوا في ظل أوهام الزعامة الناصرية، وهذا الواقع المضلِّل الذي نسجته الأحلام الاشتراكية، واستيقظوا فجأة على الهزيمة.
ربما مع هذا الجيل بدأ الإلحاح على نقد الذات؛ نقد الإنسان العادي وليس فقط المثقف الخائن أو الانتهازي كما يوجد عند يوسف شاهين. ربما للمرة الأولى يدخل نقد الذات، عند هذا الجيل، من باب التجربة الشخصية وليس من باب تبنّي النظرية السياسية. حدث الهزيمة كان مُزلزِلًا للجميع، فكان أمل هذا الجيل أن يتجاوز محنة الجيل المُسَيَّس المخدوع، ويبحث عن مساحة أفكار جديدة، ومعايير جديدة، أو أخلاق جديدة، يُنشِّط بها آلة النقد الذاتي.
كان أحد تفسيرات داود لرحلة الضابط يحيى أبو دبورة في «أرض الخوف»، الذي زُرع وسط تجار المخدرات، أنه يُمثِّل جيل الهزيمة الذي أُرسل في مهمَّة وتم نسيانه هناك.
عبر هذه الرحلة النقدية التي يُعيد فيها البطل بناء حياته، وإطلاق لا شعوره المكبوت، وصدماته المتتالية مع الواقع والمجتمع الذي يعيش فيه، يتضح معنى الفردانية أو الاستقلال عن الجماعة في سينما داود، والتي هي حصيلة هذا السعي، بأن يجد أبطاله ولو ثُقب إبرة ينفذون منه إلى مستقبلهم، فكأن هذا الثُّقب الجديد، هو نقدهم الارتجالي لحياتهم وواقعهم المباشر، ولأحلامهم، وتجاوزهم لعجزهم، فهذه المتطلبات تنحت فردانية هذا البطل الذي لم يعد في سينما داود هو المثقف أو المتمرِّد، كما في سينما شاهين، بل الإنسان العادي، ابن الطبقة المتوسطة، وهمومه الشخصية المشحونة برؤية المخرج.
وكما أنها رحلة نقد، فهي أيضًا رحلة انفصال مؤقت، بمسافةٍ ما، عن الطبقة المتوسطة التي يبحث ويكتب عنها داود، بوصفه واحدًا منها، ومُمثِّلًا لها. زادت كثافة وجود هذا الشخص العادي، فأصبحت له جوَّانيّة تُميِّزه، بعد أن حمَّله المخرج من جوانيّته التي رفعت حضوره على الشاشة إلى مستوى حلمي أو ملحمي. فالتجاوز الذي يبحث عنه داود لا يأخذ فقط بُعدًا طبقيًّا، أو هو مقصور على طبقة بعينها؛ بل هو ذاتٌ مُعيَّنة تنوب عن آخرين في تحمُّل مسؤولية النقص الشديد في الواقع، فتتماسّ هذه الذات مع سلسلة من التضحيات لتُقلِّل من نقص هذا الواقع.
هذه (الذات الجديدة) التي تجاوزت عجزها ومخاوفها، أيًّا كان موقعها، هي التي ينتصر لها المخرج، وهي التي تمنح أفلامه بُعدًا ملحميًّا: أن هناك شبه انتصار وسط هذا المناخ اليائس الذي يُشيعه. لذا فمفهوم التجاوز عنده يتبدَّى ليس بوصفه جزءًا من عادات وتقاليد أي طبقة، بل هو كالحلم الموصول بالطبقة، الذي أدخله عليها المخرج. لقد منح داود إنسان الطبقة المتوسطة بالتحديد، وأي طبقة يكتب عنها مثل التي في «مواطن مخبر وحرامي - 2001»، جزءًا من حلمه الشخصي عنها وعن إنسانها، من دون أن يُملي عليها طريقة واحدة للنجاة.
لقطة من فيلم «مواطن ومخبر وحرامي - 2001»
تُوصَف سينما داود بسينما المؤلف، فهو الذي كتب سيناريوهات أفلامه -باستثناء «أرض الأحلام»- حرصًا منه على توصيل رؤيته الشخصية، لتتحول أفلامه إلى ما يشبه نصًّا روائيًّا طويلًا يُضمِّنه تجاربه، وثيماته المتكررة، بل وأسماء أبطاله، كأن الأفلام كلها تحكي سيرة واحدة، ليست لحياة المخرج، بل سيرة لأفكاره ومراحل تطورها.
على سبيل المثال ثيمة «الصعلكة» من الثيمات المكرَّرة لدى داود، تأخذ مكانها في أكثر من فيلم، فنجدها تتصدَّر الخط الدرامي في فيلم «الصعاليك»، ونلمسها أيضًا في شكل حياة رؤوف الساحر في «أرض الأحلام»؛ فهو شخص بلا بيت، ولا عائلة، ومُصاب القلب، ولا نرى غاية واضحة لمسعى استمراره في الحياة. وأيضًا هناك صعلكة يوسف كمال الليليَّة في «البحث عن سيد مرزوق»، التي تضعه في عدَّة مفارقات تفتح وعيه على الحياة من حوله. عبر هذا التكرار للثيمة، تأخذ الصعلكة معناها كطريقة نزيهة وزاهدة لممارسة الحياة، من دون أي رغبة في الاكتناز المادي أو المجازي.
ربما أيضًا من أهم هذه الثوابت/الثيمات المكرَّرة هي فكرته عن أن أبناء الطبقة المتوسطة، بما يحملونه من مخاوف ووصولية ونفعية، يُعانون عجزًا داخليًّا. ويرى أن هذا العجز لا يتحقَّق بإنكار الانتماء الطبقي أو البحث عن الترقِّي، بل بوعيهم بذاتهم وأصولهم، وبالتالي إعادة تعريف أنفسهم داخل الطبقة التي ينتمون إليها. فرحلة يوسف كمال، ليست غايتها الخروج عن سلطة الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها، بل تنقية ذاته من أخلاق هذه الطبقة وعاداتها، وإعادة تعريف نفسه بداخلها، مما يُتيح له الإحساس بإنسانيته.
التسعينيات، في مصر والعالم، كانت بداية مرحلة موت السياسة والنظريات السياسية بمعنى ما، وكانت الطبقة المتوسطة على وشك الذبول والاضمحلال، فكانت فكرة نقدها بوعيٍّ غير مُسَيَّس هو الطريق الجديد لأبنائها لإيجاد هذا الثقب الذي ينفذون منه ويعبرون من خلاله إلى لحظة اتساق وإعادة تكوين.
منح داود الطبقة المتوسطة حلمه الشخصي لتتجاوز عجزها التاريخي، بعيدًا عن سذاجة التناول الرومانسي، ولا يتحقق هذا التجاوز عند داود بالتفوق على النوع، أو بإنكار للوضع الطبقي ونفيه، بل بالاتساق مع النفس. وعادةً يتم بلحظة استنارة تُصادف أبطاله في حياتهم، فيشرعون في مراجعة أنفسهم وحياتهم، بل ونقدهم، بُغية الوصول إلى طريق جديد لاستكمال الحياة، ليوفِّروا شروطًا لحياتهم أكثر اتساقًا مع ما يحلمون به لأنفسهم.
كانت أفلام داود جزءًا من هذا الوعي الجديد الذي كنت أبحث عنه ككاتب وشاعر، هذا المكان الجديد الذي أُحمِّله مشروعي الإنساني، والجدل معه، والذي أصبح إحدى محطات التساؤل ومحاسبة النفس، والملاذ، بالنسبة لي، فأي لحظة تحوّل أو نقد ذاتي، اخترتها لحياتي كابن من أبناء الطبقة المتوسطة، كانت بمثابة لحظة عمياء في التسعينيات، تلك المرحلة الخاوية التي كانت تُبشِّر بالموت أكثر من الحياة، وقليلة هي النماذج التي يمكن أن تبني معها حوارك الداخلي الصامت.
مزج داود، في أفلامه، بين قضية عامة، وبين وجود شخصي، بين الفرد والجماعة، ربما كان هذا النزوع، حاضرًا، أيضًا، عند يوسف شاهين، فالفرد، في أفلام شاهين، يُعبِّر عن جماعة كبيرة، حتى وإن باح بأسرار شديدة الخصوصية، ولكن داخل بوح بطل شاهين السياسي مثلما في فيلم «الاختيار - 1970» أو «حدوتة مصرية - 1982»، هناك قضية كبرى، هي التي تمنح هذا البوح بَريقه، وتُخلِّصه، بأثر رجعي، من أي إدانة/رقابة جماعية تطاله.
ولكن عند داود ليس هناك بوح سياسي لأبطاله، أو اعترافات، على الرغم من ذاتية الطرح. ربما هناك بوح يتمُّ داخل جسد وتاريخ وروح الأفكار، لأنها مكسوة بلحم ودم حقيقيين. ربما البوح، عند داود، من دون أسرار، عبارة عن مُناجاة، تتلمَّس نموذجًا إنسانيًّا غير مُحدَّد المعالم، فتأخذ هيكل سيرة ذاتية، من دون بطل محدد يُمثِّلها، ولكن بالتأكيد لها «راوٍ»، هو المخرج نفسه بشكلٍ ما.
هذا القلق الوجودي الذي ينتاب أبطاله لا يمكن ردّه فقط، إلى أوضاع اجتماعية، بل إلى وعيٍّ وجوديٍّ، مُشتَرك بين المخرج وأبطاله، كل منهما منح الآخر جزءًا من نفسه، فالمخرج خاض رحلة سابقة، والبطل أيضًا خاض رحلة وعي مُساوية داخل الفيلم، على الأغلب هذا ما منح أبطاله الحسّ الملحمي.
ربما التجربة السينمائية لداود تنبني على حدوس غامضة وتفاؤل ميتافيزيقي، يؤكِّدان الرغبة في الحياة، وتجاوز الضعف، رغم كل المعوّقات والشكوك التي تحيط بالتجربة، سواء للبطل أو للإنسان العادي. ولكن الأمل كان يتسلَّل خلف كل هذا بسبب ما يحمله داود من نقاء في نظرته لحياة أبطاله، فتطفو على السطح في نهاية أفلامه هذه النغمة المتفائلة، كجبل الجليد الطافي، الذي يُخفي مكوناته وحدوسه المشوَّشة واليائسة في الأعماق، فالفيلم هو لحظة من لحظات الطفو لهذا الوعي المتشكّك والمتشائم، الذي يحمله المخرج، ولكنه الآمل في الوقت نفسه. فكان وعيه الشخصي يتطوَّر في أفلامه، عبر لحظات الطفو لجبل الجليد الغارق.
كل هذا كان يُشكِّل صندوق أسراره الذي جذب الكثيرين للإعجاب بهذه الخلطة الجديدة التي تبحث عن التغيير الاجتماعي، ولكن بأدوات غير سياسية، وخلال هذه الرحلة، يُسرِّب إلى أبطاله نقاءه الشخصي مُتعدّد المراجع، ربما منها ما يعود لمرحلة الطفولة. فأفلامه ليست سيرة ذاتية، ولكنها سيرة للتحولات الفكرية والتزامه الأخلاقي تجاه الآخرين، وأن يكون مُشاركًا في صياغة الوعي الثقافي العام. لذا لم يكن معزولًا عن الحياة الاجتماعية من حوله على الرغم من ذاتية الطرح.
ربما طفولة داود لم تكن حاضرة في أفلامه بشكل مباشر، ولكن قلقه وانتكاساته الشخصية، ومخاوفه تحوَّلت في النهاية إلى هذه الخلطة من الأفكار التي تمزج التشاؤم بالأمل بالتجاوز، وهو ما منح داود الاستمرار، رغم وطأة الشكوك، وغَلَبَة الإحباط خصوصًا في سنواته الأخيرة. فلحظات الطفو التي كانت تتجسَّد في أفلامه، والتي شكَّلت له صورة مرئية على الشاشة، ليست لحياته، ولكن لصندوق أسراره النفسية، ولا وعيه. هنا كان مكان المقايضة الفاوستية لداود مع الحياة.
