عودة

«ناصر خَمِير» شهرزاد السينما العربية


حسام علي العشي

12/03/2026

في البدء كانت الحكاية. لم تكن صورة ولا صوتًا، بل همسًا يتسلَّل من فم شهرزاد وهي تروي لتؤجِّل موتها، وتُحيي بلسانها ذاكرةَ العالم. بعد قرون طويلة، ستخرج شهرزاد من ألف ليلة وليلة لتسكن شاشة السينما، في هيئة رجل عربي يسير في الصحراء، يبحث عن المعنى وسط العطش والرمل. ذاك الرجل هو المخرج التونسي (ناصر خمير)، الحكَّاء الذي نقل الحكاية من ضوء القنديل إلى ضوء الكاميرا، وجعل من الفيلم العربي فضاءً للتأمل، لا للتسلية. في زمن غلبت فيه الصورة على المعنى، أعاد خمير إلى السينما سؤالها الأول: هل نرى الصورة لنُشاهد أم لنُفكر؟ هل تُحكى الحكاية لكي تمرّ سريعًا، أم لكي تقيم فينا؟ هكذا جاءت ثلاثيته: «الهائمون - 1984، طوق الحمامة المفقود - 1991، بابا عزيز - 2005»، كأنها رحلة في العقل والروح، في ذاكرة الحكاية العربية، وفي صمت الصحراء التي لا تنتهي.

ليست الصحراء عند خمير فراغًا، بل مكتبة من الرمال، تهمس بما نسيه التاريخ. وليست الكاميرا أداة تسجيل، بل عينًا تتأمل اللامرئي. من خلال هذه العين، تتحول الحكاية إلى تأمل، والعشق إلى معرفة، والرحلة إلى عودة. فكل شخصية في أفلامه تسير نحو غيابها لتلتقي ذاتها، كما يسير المتصوِّف نحو النور عبر الظل. قد يبدو ناصر خمير مخرجًا، لكنه في جوهره راوٍ قديم ضلَّ طريقه إلى القرن العشرين. يكتب بالصورة كما كان الأسلاف يكتبون بالمداد، باحثًا عن خلاص روحي في زمن مادي خانق. بين العقل الذي يحلل والروح التي ترى، يصوغ خمير لغته الخاصة: لغة الحكاية التي تفكر، والسينما التي تتذكر.

في هذه المقالة، نحاول الإصغاء إلى هذا الصوت القادم من عمق الرمال، ونستعيد مع خمير سؤال الحكاية وسؤال الصورة، لنكتشف أن السينما ليست حلمًا غريبًا اقتحمَنا، بل ذاكرة شرقية أضعناها، وأن شهرزاد لم تمت بعد؛ إنها فقط غيرت مكانها، وصارت تُحدِّق فينا من شاشة مضاءة، كأنها تقول: من سيحكي بعدي؟ وإذا كانت شهرزاد نجت بالحكاية، فإن ناصر خمير يسعى إلى أن ينجو بالصورة، مُستفيدًا من روح التراث العربي الإسلامي، يُعيد تأويله داخل عالمه الرمزي الخاص، وبالتالي يُشكِّل هذا السينمائي التونسي حالة استثنائية في خريطة السينما العربية. فرغم محدودية إنتاجه الروائي من حيث الكم -إذ لا تتجاوز أفلامه الطويلة عدد أصابع اليد، إلى جانب بعض الوثائقيات- إلا أن أثره يتجاوز هذا العدد الصغير، لأنه اختار أن يسير في طريق مُغاير لما سلكه أبناء جيله. ففي حين انشغل كثيرٌ من السينمائيين العرب بمعالجة القضايا السياسية والاجتماعية، وبسرد الهزائم والانكسارات، انصرف خمير إلى حكايات أخرى، حكايات تبحث عن الروح أكثر مما تبحث عن الواقع المباشر، وعن الرمز أكثر مما تبحث عن الحدث.

من «الهائمون»، مرورًا بـ «طوق الحمامة المفقود»، ووصولًا إلى «بابا عزيز»، صاغ خمير اتجاهًا فريدًا يستمدُّ نسقه السردي والبصري من التراث العربي الإسلامي، دون أن يقع في أسر المحاكاة أو الخطاب التراثي المباشر. لقد أعاد بناء السرد السينمائي وفق إيقاع الحكاية العربية القديمة، حيث الكلمة تسافر في الزمن، وحيث الكاميرا لا تكتفي بأن ترصد، بل تتأمل. بمرجعية بصرية مُتأنية ومُتأملة، سعى خمير إلى خلق صورة سينمائية تحاكي الموروث الجمالي العربي، مُوظِّفًا الفن التشكيلي بعناية دقيقة. فصوره قائمة على الإبهار لا على الزخرفة، وعلى الإشباع البصري لا على الإغراق. ويتجنَّب «أمركة» الصورة السينمائية لصالح حساسية شرقية نابعة من المنمنمات ولوحات المستشرقين، غير أنه لا يستعيد هذه اللوحات بوصفها مراجع جاهزة، بل يعيد تأويلها داخل عالمه الرمزي، مُحوِّلًا الجمال إلى سؤال فلسفي عن المعنى، ففي كل لقطة من أفلامه، يبدو أن خمير لا يُصوِّر ما يرى فحسب، بل ما يدعو إلى مزيدٍ من التفكير والتأمل، كأنه في عمق مشروعه لا يبحث عن المعنى فقط، بل عن معنى المعنى، على حدِّ قول الجرجاني.

لقطة من فيلم «الهائمون - 1984»

في الصحراء: الحكاية التي تمشي

على خلاف متطلبات الحكي السينمائي السائد، يختار ناصر خمير أن ينسج فيلم «الهائمون» بروح قريبة من عوالم ألف ليلة وليلة، حيث تتوالد الحكايات وتتشظَّى، وتدخل في فضاء سريالي يشبه حكايات الأحلام والواقعية السحرية. تبدأ الحكاية بوصول (عبد السلام) المُعلّم الذي انتُدب لتدريس الأطفال في قرية تقع في قلب الصحراء، قرية كأنها خارج التاريخ والجغرافيا. منذ اللحظة الأولى يتساءل عبد السلام عن الأشباح أو السراب الذي يراه: جماعات من البشر تسير بين الغبار وكثبان الرمل كأنهم أرواح شاردة؛ هؤلاء هم الهائمون في الصحراء.

السرد في الفيلم يتَّخذ بُنْية لولبية تجعل نقطة الارتكاز مُتحرِّكة دائمًا. يحاول المُعلم أن يُرتِّب حياته في هذه القرية المنسية التي عمَّها الخرابُ بعد أن كانت خضراء. كُهولها يقضون أيامهم في البحث عن كنز مدفون تحت الرمال، وأطفالها يتنقلون بين دهاليز القرية، مهمتهم تكسير المرايا الموجودة في البيوت، بينما يرى شبابها في المنام طائرَ البراق، وما إن يطلع صباح حتى يلتحق الواحد منهم بقافلة الهائمين. القرية شبه غرائبية، مشؤومة كما يبدو، إذ ينحدر أهلها من الموريسكيين الذين طُردوا من الأندلس ونزلوا بإفريقيا، وترتبط لعنتهم بذاك الكنز: صندوق يحوي صكوكًا ومفاتيح قصور وحوانيت قرطبة، سلَّمه أحد المدافعين عن المدينة لخطَّاط استودعه الأمانة، طالبًا منه العودة إليها أو أن يعود أحد من سلالته. لكن الخطَّاط لم يتمكَّن من الرجوع، فدفن الصندوق تحت شجرة تين، وتوارثت ذريته بعدها الشؤم ولعنة التيه.

الحكايات السينمائية عند خمير ليست حدثًا يبدأ وينتهي، بل هي كائنٌ حيٌّ يسير عبر الزمن وينتقل من راوٍ إلى آخر. وحين يحلُّ موسم الزيارة السنوي، يختفي أهل القرية ثلاثة أيام، وفي هذه الفترة يعود الشباب الهائمون. لا يقترب منهم أحد سوى المعلّم بعد أن يُسلِّمه شيخ القرية كتابًا قديمًا من زمن الخطَّاط، تكفي قراءته لفكِّ اللعنة وإعادة أبنائها. في هذا الوقت يعرف الطفل اليتيم حسين - صديق جِنّ البئر- سرَّ اللعنة، فيُقرِّر الرحيل إلى قرطبة بعد وفاة جدته. بالموازاة مع ذلك يقع عبد السلام في حب ابنة العمدة، وقد سبق له أن رأى صورتها في الكتاب السحري نفسه. وبعد نجاح مهمته وعودة الهائمين، يختفي المعلم بعد ثلاثة أيام، مع امرأة عجوز تأتي لاصطحابه نحو جنان حبيبته التي لا يدخلها إلا المُحبُّون.

يبني خمير سردًا دائريًّا يبدأ من نقطة الهائمين وينتهي إليها. فلا الزمن يتقدم نحو حل، ولا الحكاية تُغلق على نهاية، بل تدور في حلقة يتكرر فيها الغياب والظهور، ويعود فيها ما اختفى كطيفٍ جديد. هكذا تمشي الحكاية عند ناصر خمير، على طريقة الليالي التي تتناسل فيها القصص دون أن تنفد.

لقطات من ثلاثيته

طوق الحمامة المفقود: حكاية الكلمات المتقاطعة

بمنطقٍ سرديٍّ أشبه بلعبة الكلمات المتقاطعة، تتشابك أحداث فيلم «طوق الحمامة المفقود» في أروقة مدينة قرطبة، في عهد الخليفة المعتمد بن عباد، وهو العهد الذي أُحرِقت فيه الكتب بالأندلس ومنها كتاب ابن حزم الأندلسي «طوق الحمامة». يدور الفيلم حول الشاب حسن الذي يتعلم فن الخط العربي على يد شيخه، وفي الوقت نفسه هو مهووس بالبحث عن مفردات الحب التي يبلغ عددها ستًّا وستين اسمًا ومعنى، لم يجد منها سوى أربعين. وإلى جانبه يظهر الطفل اللقيط، زين نديم حسن، الذي يعمل مراسلًا بين العشاق وحافظًا لأسرارهم، وهو الآخر في رحلة بحثٍ عن أبيه الذي تَزْعم أمُّه أنه جِنّيٌّ أقام معها علاقة ذات ليلة.

يجمع الفيلم عددًا من القصص والخيوط التي تتوالد وتتشابك، لكنها تُفتل جميعًا في خيط واحد، مثل ضفيرة زين. يرى حسن وصديقه زين رجلًا يحرق كتبًا، فيحاول حسن منعه لكن الرجل يصر بحجة أنها كتب مسمومة. في تلك اللحظة يهرب زين بورقة نصف محروقة. يطلب حسن الورقة ويقرأ ما فيها، ويظل يُكرّر عبارتها طيلة الفيلم: «الحب أعزك الله، أوله هزل وآخره جد». كانت الصفحة المنزوعة من كتاب «طوق الحمامة» لابن حزم، لكن حسن لا يعرف مؤلفها ولا اسم الكتاب، الذي كان ضمن الكتب المحروقة بتهمة الزندقة في عهد المعتمد. من هنا يبدأ حسن رحلة البحث عن معنى الحب.

يتدفق السرد الفيلمي عبر كتل ووحدات تبدو متناثرة ومتباعدة، لكنها في عمقها متصلة: يقرر الشيخ الخطاط السفر إلى مكة ولقاء صديقه عيسى الصيدلاني، تاركًا حسن يتغذى على حكايات أميرة سمرقند، ويواصل بحثه عن معاني الحب، وبمساعدة زين، يقتحم حسن مخزنًا للكتب بحثًا عن نسخة من الكتاب الذي يملك منه الصفحة الأولى، غير أن الحريق يشتعل في المخزن ويختفي زين. في النهاية يظهر زين وحيدًا تحت شجرة الأمنيات، ثم يظهر له أبوه الجني ويصطحبه إلى عالمه السحري. تعم الفوضى مدينة قرطبة إثر وفاة أميرها، وتدخل زمن ملوك الطوائف وتناحرهم. يُحاصِر المستضعفون أسوار المدينة، فيُقرِّر حسن اللحاق بمعلمه إلى مكة. في الطريق يلتقي بالفارس عزيز الذي يظهر له سابقًا بوجه غريب لا هو ذكر ولا أُنثى. ثم، بعد مطاردة حسن من قبل المستضعفين، يُجرَح ويأخذه بستاني لمعالجته، فيسمع نواحًا يتردد في المكان، إنها أميرة سمرقند التي تنوح على حبيب تراه في المنام، ويؤكد البستاني أن بستانه يذوب يومًا بعد يوم بفعل هذا النواح. يلتقي حسن بعزيز مرة أخرى في بيت صديق الشيخ، فيرتحلان معًا. يعترض طريقهما رجلٌ يحمل جثمان سيده الأمير لدفنه في جنان الحلم، حيث تنتظره أميرة سمرقند. يعطي الرجل حسن كتاب الأمير الذي أودع فيه حلمه، فيكتشف حسن أن الكتاب هو طوق الحمامة نفسه الذي يبحث عنه، وأن عزيز هو أميرة سمرقند مُتخفّية في هيئة فارس. وفي لحظة الكشف تلك يهاجمهم المعدومون، فيهرب حسن وعزيز بحرًا، ويغرق الكتاب في الأعماق.

حكاية خمير متشابكة بنمط هندسي شبيه بالأرابيسك، لكنها تستند إلى عمود فقري واحد هو الرحلة. يواصل حسن رحلته حتى يصل إلى وادٍ مُقفر يلتقي فيه شيخًا يخبره بأن هذا المكان في الماضي كان سوق المدينة حيث تباع الكتب. يقصُّ حسن حكايته عن رحلة البحث عن ماهية الحب وعن لقائه بأميرة سمرقند التي فقدها، هناك يتفاجأ بقلم شيخه الخطاط بحوزة الشيخ العجوز، ويدرك أن زمنًا طويلًا قد مرَّ. يعود إلى قرطبة التي تحولت إلى خراب، فيجلس متذكرًا كلمات شيخه عن حرف الواو.

لقطة من فيلم «بابا عزيز- 2005»

بابا عزيز: حكاية الدوائر المتداخلة

يبدأ فيلم «بابا عزيز، الأمير السابح في روحه» بعبارة مكتوبة على الكادر: «الطريق إلى الله بعدد نفوس الخلائق»، وهي منسوبة إلى أحد العارفين في التصوف. وقد ترجمها ناصر خمير في سرد أحداث الفيلم ومسار الشخصيات طوال الفيلم. ناهيك عن أننا إزاء فيلم مشحون بروح وأبعاد صوفية، ليس على مستوى الموضوع والمعالجة السينمائية فقط. كما يظهر ذلك في استعانة خمير بعيون نصوص المتصوفة الكبار مثل ابن عربي، الرومي، والعطار، عبر مقولاتهم المطروحة على لسان شخصيات الفيلم المتخيلة لأهداف مشهدية تخدم دراما الفيلم.

يستعين ناصر خمير في فيلم «بابا عزيز» بتقنية السرد الإطاري المشابهة لألف ليلة وليلة؛ أيْ قصة رئيسية تُروي من خلالها قصة أو مجموعة قصص أخرى. تبدأ القصة الرئيسية برحلة عبر الصحراء يقوم بها الشيخ الضرير عزيز مع حفيدته الصغيرة عشتار لحضور موكب صُوفيٍّ يُقام كل ثلاثين سنة في مكان مجهول، ويأتيه الحجاج من كل حدب وصوب.

تتقاطع الحكاية الرئيسية مع سرديات شخصيات تظهر بين الحين والآخر خلال مسار الرحلة، بالإضافة إلى رحلة موازية يرويها الشيخ لعشتار في وقفات الراحة أثناء السير، وهي قصة الأمير السابح في روحه. تخلَّى الأمير عن مملكته بعد أن اكتشف البهاء الإلهي المتجسِّد في جمال صورته على غدير المياه. نكتشف لاحقًا أن الأمير هو عزيز نفسه، وما يرويه لعشتار هو ماضي هذا الشيخ الضرير، الذي وصل إلى حالة تجلٍّ مع نفسه، مستعينًا بالقلب الذي يمثل الخريطة والمرشد للطريق نحو المحفل. هذا ما أمر به الجدُّ عزيز الشاعرَ الجوَّالَ زيدًا، الذي التقى به مصادفة خلال الرحلة وهو يبحث عن الطريق إلى المحفل. ينتهي اللقاء بينهما، ويسير كل منهما في اتجاه معاكس للآخر، قاصدين نفس الهدف.

ومثلما تحكي شهرزاد في ألف ليلة وليلة قصة التاجر، يحكي التاجر قصته مع الجِنّيّ، ثم يحكي الجِنّيّ عن قصة أخرى. يتشابك السرد ويتداخل مثل المتاهة أو الدوائر المتداخلة. وفي إحدى محطات الرحلة، تقتحم شخصية عثمان حركة السرد. ألقى بنفسه في البئر باحثًا عن قصره، فيظن الحُجَّاج أنه مجنون، لكن الجد عزيز يؤمن بصدق حكايته ويطلب منه أن يرويها. تتشكل دائرة أخرى في السرد الفيلمي، ويقودنا عثمان عبر مساره إلى الأخوين التوأمين حسين المتصوف وحسن الفاسق. وهما بدورهما يقوداننا إلى الدرويش ذي الشعر الأحمر، خادم الجامع الذي رأيناه في المشهد الافتتاحي وهو يرقص رقصة السماء، فيصبح الدرويش بمثابة الممر السردي الذي يعبر من خلاله حسن إلى عزيز ليكمل رحلته في نهاية الفيلم. تكتمل بذلك كل الدوائر، وتتقاطع فيما بينها ومع دوائر أخرى وشخوص إضافية كذلك.

استراتيجية ألف ليلة وليلة في القصِّ التي اعتمدها ناصر خمير في سردية «بابا عزيز» تظهر بحرفية خطَّاط أو نسَّاج سجاد فارسي عتيق، فلم يضعف ذلك الثقل الدرامي أو الحكاية الإطار المتمثلة في رحلة الجد عزيز مع حفيدته عشتار، التي تضيع في الصحراء إثر ملاحقتها ليلًا لغزال شارد. يجدها الشاعر العاشق زيد ويعيدها إلى الجد وهي مغمًى عليها، لكنها تُشفَى إثر رواية زيد قصته مع حبيبته نور التي يبحث عنها. صِدْقُ زيد، هذا الشاعر الجوال، يمنحه مرافقة الحفيدة، ويواكبه الجد فيما تبقَّى من الطريق نحو المحفل الصوفي، وهو مكان تواجد نور.

في أفلام الطريق أو الرحلة، لا يعنينا الوصول، فمع الوصول إلى الهدف ينتهي الفيلم. ما يهم هو الطريق نفسه؛ مسرح الأحداث، وما يحدث فيه من تفاعل وتحولات للشخصيات. الجد عزيز لم يكمل الطريق إلى المحفل، بل توقَّف عند المكان الذي سيُدفن فيه. يترك الحفيدة لزيد لمواصلة الطريق، وقبل أن تغادر، يقصُّ عليها ما تبقى من قصة الأمير، الذي انتهى به الحال مرتديًا إزار الدرويش ومُتكئًا على عصاه، يسير في الصحراء. يصل حسن إلى الجد عزيز، الذي كان في انتظاره دون أن يلتقيه من قبل، ويدور بينهما حوار حول الموت والأبدية. في النهاية، يواري حسن جسد الجد الثرى، ويلبس إزاره مُتكئًا على عصاه، مواصلًا الطريق الذي تراءى له مثل الأمير، أي الجد عزيز نفسه.

سكان المعنى: تجليات الشخصيات في ثلاثية الصحراء

بعد هذا التدوين لخيوط الأحداث ورصد بنيتها وتصميمها في كل من: «الهائمون، طوق الحمامة المفقود، وبابا عزيز»، ينكشف لنا أن ما يُحرِّك السرد ليست الوقائع في ذاتها، بل الكائنات التي تسكنها، فشخصيات ناصر خمير في الثلاثية لا تُقاس بحركتها في الزمان والمكان فقط، بل بقدرتها على الإيحاء والعبور، إنهم سكان المعنى يقطنون تخوم الحكاية كما يقطن الصوفي رؤياه. يتحول كلُّ واحد منهم إلى معنى لمسار إنساني، فلا وجود لبطل يهيمن أو راوٍ يسيطر؛ الجميع رواة ومرويون في آنٍ واحد، يتناوبون الحكاية وكل منهم مرآة لمعنى ما.

وعلى سبيل الذكر لا الحصر، في عالم ثلاثية خمير كل الشخصيات تعيش مغامرة البحث، ففي «الهائمون» يبحثون عن الكنز، وفي «طوق الحمامة» يبحثون عن معنى الحب وأسمائه، وفي «بابا عزيز» يبحثون عن الذات، وهذا البحث التصق بصفة اليُتم عند الأطفال الذين لهم حضور طاغٍ في الثلاثية، وحركتهم الدائمة وهم يركضون بين الأزقة والحواري والكثبان الرملية هي طفولة حائرة وحالمة بغدٍ أفضل. إنها طفولة بلا أب، فحسين يتربَّى عند جدته التي تموت وتتركه ولا نرى له أبًا في الهائمين، وزين أيضًا بلا أب فهو لقيط في طوق الحمامة، وحتى عشتار في بابا عزيز يموت جدها في آخر الفيلم ويتركها وحيدة؛ بالتالي اليُتم هو غياب المرجع أو فقدان البوصلة مما يُكرِّس بقوة مفهوم البحث، لذلك كانت نهاية مصائر الأطفال مفتوحة نحو مستقبل أفضل وهم رمز المستقبل، أمام ماضٍ كان جميلًا فُقدت فيه البوصلة، أدَّى إلى حاضرٍ يَعُمُّه الخراب في هذه الحضارة.

يستنسخ خمير الشخصيات في أفلامه الثلاثة، هو لا يفعل ذلك اعتباطًا ولا بدافع فقر في الخيال، بل كأنه ينسج فيلمًا واحدًا لا ينتهي، حكاية تُصر على ألا تكتمل. فالشخصيات، بدلًا من أن تُطوى صفحتها، تعود في هيئة أخرى، في زمن آخر، كأنها تواصل حياتها في أشكال متحولة ولكنها مستقرة في معنى ما: مهنة الخطَّاط بلا استثناء مثال لافت لهذا التناسخ، في «الهائمون» نسمع عن الخطَّاط الجد حامل مفاتيح الأندلس وأسرار الكنز المخبوء، لكنه لا يظهر في صلب الحكاية، بل يظل صورة يستدعيها شيخ القرية بروايتها للمعلم. وفي طوق الحمامة، يتجسد الخطَّاط في الشيخ المعلّم، شيخ حسن، الذي درّبه على حرفة الخط، ورحل إلى مكة من أجل لقاء عيسى الصيدلاني. أمَّا في «بابا عزيز»، فحسين الخطاط توأم حسن وصديق عثمان ومعاونه في جمع المال للسفر والهجرة، يبيع عثمان الرمل لشيخ خطَّاط وهي مهنة موروثة عن أبيه وجده، وفي النهاية حسين الخطاط اختار أن يُدفن في قبر واحد مع حبيبته وهما على قيد الحياة. واستنساخ مهنة الخطَّاط في السرديات الثلاث ليس مجرد تكرارٍ اعتباطيٍّ، بل هو خيطٌ درامي يقود الحكاية إلى معنى واحد؛ فخلف الخطوط الدرامية المُتباعدة ظاهريًّا يسود نمطٌ واحدٌ للعِلم، علم يُعين على حمل الأمانة ويهدي إلى سلك الطريق، وفي النهاية الولوج نحو كينونة الوجود حيث يمتزج الحب الإلهي والعشق الإنساني.

والمدهش، حين نتأمل ثلاثية ناصر خمير، هذا الغياب شبه التام للعنصر النسائي. السرد يمضي وحده، مطمئنًا، من دون أن يلتفت إليهن إلا لِمامًا؛ لمحة عابرة، ظل امرأة يعبر المشهد ثم يذوب في هوائه. وإن حضرت فإنها تأتي في هيئة ملتبسة، لا نكاد نعرف أهي أنثى حقًّا أم ذكر، حضور لا يرى بقدر ما يغيب، كأن خمير يعتمد الغياب ليُرينا ما لا يريد قوله مباشرة: عالم متداعٍ تحكمه العادات الشرقية، وتُحجب فيه المرأة خلف الستائر والجدران. ومع ذلك، فإن هذا النظام الصارم في «الهائمون» و «طوق الحمامة المفقود» يتصدَّع في «بابا عزيز»، بحضور عشتار، حفيدة الجد عزيز. حضورٌ غير عابر؛ إنه حضورٌ طاغٍ، يستعيد أصداء اسمها القديم في بابل وآشور، إلهة الحب والخصب والجمال. يبدو أن خمير الذي يُولي الطفولة موقعًا حاسمًا في رؤيته لعالم الشرق، يجعل منها معنى المستقبل، في انحيازٍ صامتٍ لكنه واضح، للنساء اللاتي غُيّبْن عن المشهد وللدور الذي ينتظرهن في الكون، وهو دور لا يقلّ جمالًا عن الاسم الذي تحمله.

ما وراء الحكاية ومعنى المعنى

في خاتمة كتابه «واقعية بلا ضفاف» الصادر بفرنسا عام 1961، يؤكد (روجيه غارودي) بعد دراسة فن وأدب بيكاسو وسان جون بيرس وكافكا: «لا يوجد أبدًا فن غير واقعي، أي لا يوجد فن لا يستند إلى واقع متميز ومستقل عنه». ومن هذا المنطلق فإن ثلاثية ناصر خمير تتحرَّك في هذا الأفق تحديدًا، فعلى الرغم من بُعدها الغرائبي وعوالمها السحرية المُستلهَمة من «ألف ليلة وليلة» وما شابهها من حكايات الأحلام والواقعية السحرية، وبَهْرَجِها البصريّ الذي يُحقِّق الإمتاع والمؤانسة، فإنها في جوهرها فنٌّ يستند إلى واقع عربي مُعقَّد ومُتشعِّب، يقرؤه خمير بعين النقد والتأمل، ويحوّله إلى رموز تتجاوز الزمان والمكان، لتصبح الحكاية وسيلة لاكتشاف معنى المعنى في تاريخ وحاضر الذات العربية ومَدخلًا لطرح أسئلة الراهن العربي ومآزقه: من نحن؟ وكيف وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟

فيلم «الهائمون»، يبدو كأنه محاولة لوضع كل الأجيال المتعاقبة بمستوياتها المختلفة السياسية والاجتماعية والثقافية من بداية عصر النهضة حتى الآن: أجيال نهضت وحلمت وكافحت، لكنها خرجت من التاريخ كما دخلته، حاملةً معها إحساسًا عميقًا بالضياع. والغريب أن هذا الضياع لا يأتي من نقص في الثروات أو الإمكانات، بل من التفريط فيها، من إقصاء العقل والعمل والثقافة، وهي الثلاثية التي يرى خمير أنها وحدها القادرة على إخراجنا من التيه. هكذا يصبح الفيلم نقدًا لاذعًا لقرية تعيش خارج الزمن، وجغرافيتها القاسية تعيش أيضًا خارج المكان. قرية تنظر إلى الماضي، إلى أندلسٍ مجيدة، بدلًا من أن تتساءل عن أسباب سقوطها. إنها قرية تحتمي بالخرافة والأسطورة، وتُقصي التفكير والسؤال، فيتحول شبابها إلى «هائمين»، يرحلون بحثًا عن الرزق، غافلين عن ثروات تمدُّ أيديها إليهم فلا يرونها، ولعلَّ أكثر المشاهد دلالة هو وصول المعلّم إلى القرية: يُبعث ليُعلِّم الأطفال، لكنه يكتشف أن المدرسة غير موجودة أصلًا، وأن الأطفال غير معنيين بالتعلّم. عبر هذه المفارقة، يُقدِّم خمير نقدًا رمزيًّا لواقع عربي تُغلق فيه أبواب المعرفة قبل أن تُفتح، ويظلّ الجهل خيارًا مريحًا تتوارثه الأجيال.

أمَّا في «طوق الحمامة المفقود» فهو سؤال عن الحب، عن وجه من وجوه الذات العربية اختفى فجأة، وترك مكانه لوجه متجهّم يحرّم العشق ويُشرعن العنف. لماذا أصبح الحب، اليوم، فعلاً سريًّا؟ كيف يمكن لمجتمع أن يتطوّر دون أن يمرّ بحضوره الكياني الأول: حبّ الذات، حبّ الآخر، حبّ الحياة؟ يجيب خمير بإعادة استنطاق التراث، وصياغة شخصية جديدة تنبع من روح «طوق الحمامة» لكنها تتحرك في حاضرنا، في واقع صار ينظر إلى العاطفة بعين الشبهة لا بعين الجمال، فالمخطوط المفقود والكتب التي أُحرِقت كانا من أسباب سقوط الأندلس وضياع الأمة بين الأمم، فالعشق في الفيلم ليس حكاية قلبين فقط، بل هو بحث عن المعرفة ومرآة للوجود، وأبعد من هذا، إذ يتحول العشق عند خمير إلى مسارٍ معرفيٍّ تُعثِّره الأعراف، ويُجهضه الخوف، وتُكبِّله الذاكرة، وهذا يشبه تماما علاقة المجتمع العربي بالمعرفة.

أما في فيلم بابا عزيز، فيبلغ الخطابُ النقديُّ بُعده الأكثر عمقًا وروحانية. يرفض خمير نظرة الغرب إلى الإسلام بوصفه مرادفًا للإرهاب والوحشية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فَدَحْضُ خمير لا يأتي عبر الجدل السياسي أو المقولات الجاهزة بل عبر العودة إلى قلب التصوّف، إلى ذلك البعد المشرق الذي يجعل من الروحانية بديلًا للخطاب الغاضب. الإسلام الذي يصوّره في الفيلم إسلامٌ مضيء، متسامح، مُحبّ للجمال، إسلامٌ يفتح القلب ولا يغلقه، وهنا يظهر هاجس خمير بوضوح: إعادة وجه حضارته الحقيقي، مسح الغبار الذي تراكم عليه، كما قال في أحد حواراته: «لو سقط والدك في الوحل، فإنك ستساعده على النهوض وتمسح وجهه. هذا ما حاولت القيام به في بابا عزيز تجاه الحضارة العربية الإسلامية».

في النهاية، لا تُقدِّم ثلاثية خمير نقدًا مباشرًا ولا تحليلًا سياسيًّا، بل تبحث عن «معنى المعنى»، كما كان يقول القدماء: عن ذلك الخيط الخفي الذي يصل الماضي بالحاضر، الواقع بالخيال، الإنسان بظله، وعن ذلك السؤال الذي لا يزال مُعلّقًا في صحرائنا: كيف نستعيد الطريق؟

بلاغة الصورة وسحر المشهدية: تأملات في المرجعية

في ثلاثية ناصر خمير، لا تتوقف المرجعية العربية عند حدود السرد أو الحكاية، كما لو أنها مأخوذة من ألف ليلة وليلة، بل تمتد إلى الصورة نفسها، إلى كل إطار وكل لقطة. فالصورة عند خمير ليست مجرد خلفية لروابط الحكاية أو حدثٍ عابر، بل هي فضاء للتأمل، لوحة حيَّة تتنفس على الشاشة، تحمل روح التراث والحضارة العربية والإسلامية، وتربط الإنسان بالزمان والمكان والرمز، فكل إطار يتحول إلى تجربة حسية وفكرية في آن واحد، لغة بصرية مستقلة تتواصل مع التاريخ والرمز والروح، وتعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والمكان والزمن، بنفس عمق السرد، لكنها تفعل ذلك بصمت بصريٍّ مُكتظٍّ بالمعاني.

اللقطات السينمائية عند خمير أقرب إلى لوحات تشكيلية مستوحاة من روح المنمنمات الإسلامية؛ العناصر موزعة على السطح بتوازن دقيق، كل شخصية وكل عنصر طبيعي أو معماري له وضوحه واستقلاله، لا شيء يطفو على سطح الصورة بشكل عشوائي، بل كل شيء محسوب بعناية، كما لو كان فصلًا من مخطوطة يُفتح أمامنا في الزمن ذاته. ومع ذلك، هناك اختلاف جوهري بين لغة خمير والمنمنمات التقليدية؛ غياب الظلال والألوان الداكنة والعمق الطبيعي -وهي عناصر لم توجد في المنمنمات- تمنح إحساسًا بالصورة المسطحة والتجريد، وتجعل العين تتوقف عند كل تفصيل لتقرأ الرموز والخطوط والتكوين بعناية. هذا الغياب لا يُقلل من ثراء الصورة، بل يمنحها صفاءً بصريًّا ووضوحًا فلسفيًّا، حيث كل عنصر يحمل وزنه الرمزي والمعنوي.

الألوان عند خمير محدودة بعناية، لكنها دقيقة في دلالتها: الرمال المضيئة، البياض الطاهر للملابس، الأزرق القاحل للسماء، كلها ألوان تضيف إحساسًا بالصفاء والرمزية، بينما يغيب الطيف الداكن وظلال العمق التي تضيف الواقعية التقليدية لِلَّوحة الغربية. هذه الألوان الغائبة ليست نقصًا، بل اختيارًا متعمدًا، لتصبح كل لقطة مساحة للتأمل الرمزي والفلسفي، حيث تتفاعل الشخصية والمكان والرمز في انسجام بصري كامل. كل خط، كل لون، كل حركة محسوبة لتصبح جزءًا من توازن بصري دقيق، يعكس روح المنمنمات دون الالتزام بحرَفيتها، ويحوّل المشهد إلى تجربة فلسفية وبصرية في الوقت ذاته.

أما اللقطات، فهي طويلة وثابتة، تعكس هدوء الإيقاع وتماسك التكوين. اللقطات القريبة نادرة وتُستَعمل لتكثيف التركيز على لحظةٍ شعورية أو رمزيةٍ محددة، بينما اللقطات العامة تمنح المشاهد القدرة على استيعاب كل عناصر المشهد، كل حركة في المكان، كل علاقة بين الشخصيات والبيئة المحيطة. في هذا الإطار، الصحراء، المدن، الأسواق، المنازل، وحتى المساحات الفارغة، تتحول إلى عنصر معنوي في الصورة، جزء من الوجود، مرتبط بالإنسان والرمز والزمان. في «الهائمون» تظهر الصورة المسطحة في توزيع الشخصيات والمسافات، فالمعلّم والأطفال يحتلون مركز الإطار، بينما تمتد الصحراء بلا عمق مصطنع، لتبرز العلاقة بين الإنسان والمكان والفضاء المفتوح. وفي طوق الحمامة المفقود، المدينة والأسواق والتفاصيل المعمارية مصوّرة بطريقة مسطحة، كل عنصر له وضوحه الخاص، كل حركة محسوبة بعناية، ليصبح المشهد لوحة حية تتحرك داخل الزمن السينمائي. أما في بابا عزيز، فالصحراء تمتد في لقطات طويلة وهادئة، والليل مضاء بضوء القمر الطبيعي، واللون محدود في تدرجاته، لتتحول كل لقطة إلى فضاء للتأمل في الزمن والمكان والوجود، في تجربة روحانية وبصرية متكاملة.

بهذه الطريقة، تتحول الصورة عند خمير إلى لغة مستقلة، مستوحاة من روح المنمنمات لكنها متحرّكة في الزمن السينمائي، حرة في اختيار الظلال والألوان، ومتجاوزة حدود التقليد، فغياب الظلال والألوان الداكنة، والثبات في اللقطات، والاختيار الدقيق للألوان، كلها عناصر تجعل كل مشهد تجربة بصرية وروحية متكاملة، تعكس التراث العربي، وتربط الإنسان بالزمان والمكان والرمز، كما لو أن كل إطار يحمل السرد نفسه ولكنه يحكيه بلغة الصورة، لغة تتجاوز الكلمات لتصل إلى مستوى التأمل الفني والفلسفي.

حين نتأمل تجربة ناصر خمير، ندرك أن السينما عنده ليست مجرد نقل للأحداث أو تسجيل للوقائع، بل هي فضاءٌ للتأمل، مسرحٌ للفكر، وعينٌ ترى ما وراء الظاهر. إن أعماله لا تقصّ علينا ما يحدث فحسب، بل تدعونا إلى التفكير فيما يعني أن نكون عَربًا في زمن يتقاطع فيه الواقع مع التاريخ، والحكاية مع الرمز، والفرد مع الجماعة. في هذا السياق، يصبح خمير استثناءً في السينما العربية: فهو لا يبحث عن السرد السياسي المباشر، ولا عن الحكايات الاجتماعية التقليدية، بل يُشرّع أفقًا نادرًا حيث يلتقي الواقع بالخيال، والوجود بالمعنى، واللغة بالروح.

الذات العربية، كما يطرحها خمير، ليست موضوعًا جامدًا، ولا نصًّا يمكن قراءته بمصطلحات واحدة، بل هي حكاية حيَّة تتنفس في الصور، تتحرك بين الماضي والحاضر، وتعيش في تداخل الزمان والمكان. في أعماله، نجد أن الحكاية لا تسعى إلى النهاية، بل إلى السير في مسار يتيح لنا أن نعايش الفكر والروح معًا، أن نتأمل في مآزق الإنسان العربي بين ما فقده وما يمكنه استعادته، بين المعرفة التي أهملها والحب الذي أُحجم عنه، بين القدرة على الإبداع والقيود التي تفرضها الأعراف والتاريخ. بهذا المعنى، تصبح السينما عند خمير ممارسة فلسفية: تجربة لفهم الذات، والبحث عن معنى الوجود في فضاء عربي معقد ومتشابك.

إن ما يُميّز خمير هو قدرته على تحويل الصورة إلى لغة مستقلة، تتخطَّى حدود الحكاية لتصبح تجربة معرفية وروحية في الوقت ذاته. كل إطار، كل حركة للكاميرا، كل اختيار للون أو ضوء، ليس عشوائيًا، بل هو جزء من هندسة دقيقة تعكس فهمه العميق للتراث العربي والإسلامي، وللذات العربية نفسها. الصور عنده مسطّحة، بلا ظلال عميقة، محدودة الألوان، لكنها مضيئة بالمعنى، واضحة في الرمزية، كما لو أن كل عنصر فيها يتحمل وزنًا وجوديًا وفلسفيًا. في هذا الاختيار الفني، نجد صدى روح المنمنمات، ليس كنسخ، بل كتأويل بصري حديث، يربط الإنسان بتاريخ حضارته، ويجعله يرى ذاته في سياق أوسع من الزمان والمكان.