عودة

إيطاليا بحسب «الاستشراق» الهوليوودي.. جنة الكسالى الظُّرفاء


عزت القمحاوي

11/03/2026

قُرب نهاية القرن الثالث عشر انطلق المغامر الإيطالي (ماركو بولو) من مدينته فينيسيا حتى الشرق الأقصى، ونشر بين عامَي (1298 و1299) كتابَ رحلةٍ جاء مزيجًا من المذكرات والرحلة والتقرير الدبلوماسي التجاري. وسرعان ما صارت «رحلات ماركو بولو» كتابًا شهيرًا ممتعًا، وفي الوقت نفسه يُعدُّ النص المؤسِّس لسمات النصوص والرسوم الاستشراقية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

وضع ماركو بولو الأساس لصورة الشرق العاطفي، الغرائزي، الغرائبي المتخلّف، على النقيض من عقلانية وأخلاقية الغرب المتقدم. ولا يعتبر (إدوارد سعيد) أن هذه المقابلة مجرد خطأ معرفي، بل هي نظام سلطوي متكامل، تُستخدم فيه المعرفة لنزع حق الشرق في تمثيل وحكم نفسه، وتبرير الاستعمار. وعلى العكس من النظرة الاستعلائية إلى الشرقيين وقع الغربيون في غرام المكان الشرقي باعتباره ملاذًا للروح.

فهل خطر على بال ماركو بولو أن العالم سيشهد اختراع فنّ السينما الذي سيجعل من بلاده شرقًا بديلًا؟

على مدار عقود طويلة، أنتجت السينما الأمريكية عشرات الأفلام التي تدور أحداثها في إيطاليا، راكمت صورة خيالية لهذا البلد الذي كان ذات يوم عاصمة أقوى إمبراطورية في العالم. وسارت بعض أفلام سينما الشمال الأوروبي خلف السينما الأمريكية في السنوات الماضية، في تقديم صورة لإيطاليا وبلدان الجنوب الأوروبي تشبه صورة الشرق الأقصى في كتابات المستشرقين، حيث تبدو إيطاليا مع إسبانيا وفرنسا واليونان أرضًا للفرص وملاذًا روحيًّا مع نظرة فوقية إلى البشر في هذه الدول. لكن إيطاليا تظلُّ مركز هذه النوعية من الأفلام، وبات من الواضح أن الانتقال بالكاميرا إلى إيطاليا ضمانة لنجاح الفيلم وإخفاء عيوبه الإبداعية والإنتاجية.

في السينما يبدأ كل شيء من النص، حتى الأفلام التي لا تعتمد على روايات، يُعلِّق النقاد نجاحها من عدمه على جودة السيناريو، كما أن الاتجاهات الفكرية والإنسانية للفيلم تبدأ من النص كذلك.

أفلام التأسيس

ومن المفارقات الساخرة أن السينما كانت تؤسِّس لهذا الشرق البديل قبل أربعة عقود من صدور أول إدانة منهجية للاستشراق، وهو كتاب إدوارد سعيد «الاستشراق»؛ الكتاب المؤسس لدراسات تفكيك المغالطات المعرفية التي تنطوي عليها الكتابة الاستشراقية. والمفارقة الأكبر أن «المركزية الأوروبية» ترتكز على الحضارتين اليونانية والرومانية، بينما يُعدُّ البَلدان مركزيْن للاستشراق السينمائي الأمريكي، في قسمة شمال وجنوب، حيث لا يشمل التناول الإكزوتيكي (الغرائبي) ألمانيا أو بريطانيا على سبيل المثال.

«غاتسبي العظيم - 1925» (The Great Gatsby)

بدأ التأسيس للشرق البديل في روايات الأدباء الأمريكيين الذين عاشوا في باريس في عشرينيات القرن الماضي، مثل (هيمنجواي) و (فيتزجرالد)، وتحوَّلت تلك الروايات إلى أفلام. نشر فرنسيس سكوت فيتزجرالد روايته الأشهر «The Great Gatsby» عام 1925، وقد حظيت بإصدارين سينمائيين بالعنوان نفسه: أولهما فيلم أخرجه (جاك كلايتون) عام 1974، من بطولة (روبرت ريدفورد، وميا فارو)، والثاني صدر عام 2013 من إخراج (باز لورمان)، ومن بطولة (ليوناردو دي كابريو، وتوبي ماجواير). لا تدور الرواية في أوروبا، لكنها تضع أمريكا الجديدة المتفوقة بالمال في مواجهة التقاليد الأوروبية، أو الحلم الأمريكي في مقابل التعلق بأرستقراطية أوروبا الفارغة. وأمَّا رواية «رقيق هو الليل - Tender is the night» التي كتبها عام 1934، فقد انتظرت تحويلها إلى فيلم حتى عام 1962 أخرجه (هنري كينج)، من بطولة (جيسون روباردز، وجنيفر جونز). تتنقل الكاميرا في هذا الفيلم من الريفيرا الفرنسية وسويسرا وروما، حيث يعيش الأثرياء الأمريكيون حياة باذخة وصاخبة، يُدمّرون أنفسهم ويُدمّرون أوروبا، لكنهم يدفعون الفواتير بوصفهم الأسياد الجُدد.

الروائي الأشهر في ذلك الجيل (إرنست هيمنجواي) تحوَّلت ثلاثٌ من رواياته التي تدور في أوروبا إلى أفلام: «وداعًا للسلاح - A Farewell to Arms» نُفِّذت مرتين، الأولى عام 1932 بإخراج (فرانك بورزيج)، من بطولة (جاري كوبر وهيلين هايز)، والثانية عام 1957 بإخراج تشارلز فيدور، من بطولة (روك هدسون وجينيفر جونز). وهو واحد من أشهر كلاسيكيات السينما الأمريكية في أجواء الحرب العالمية الأولى، إذ يقع الضابط الأمريكي في حب الممرضة الإنجليزية وفي الخلفية جمال إيطاليا الباذخ والمُدمَّر. في هذا الفيلم يبدو الضباط الإيطاليون فوضويين مسرحيين في أدائهم، والأمريكي يخدم معهم لكنه على مسافة منهم، وبالطبع يسعى إلى إنقاذ الحبيبة من الفوضى الأوروبية التي تبدو قدرًا للأوروبيين، مثلما يبدو التخلُّف قدر الشرقيين في الاستشراق الأصلي.

ورواية «لمن تُقرع الأجراس - For whom the bell tolls» التي تُقدِّم خبرة هيمنجواي في الحرب الأهلية الإسبانية، تحوَّلت بعد ثلاث سنوات من نشرها إلى فيلم عام 1943 بإخراج (سام وود) وبطولة (جاري كوبر، وإنجريد برجمان)، حيث إسبانيا الذبيحة تُعاني من حرب جرى تبسيط واقعها التاريخي واختزال الصراع في حدود المواجهة الأخلاقية. ويمكن أن نلحظ في هذا الفيلم التأسيس لشاعرية الفقر، التي سيُعاد تدويرها في الأفلام الأمريكية عن أوروبا إلى اليوم.

والرواية الثالثة التي تحوَّلت إلى فيلم هي «الشمس تشرق أيضًا - The sun also rises» بإخراج (هنري كينغ) عام 1957، ومن بطولة (تايرون باور، وآفا جاردنر). الرواية والفيلم يُقدِّمان مشهدًا للجيل الضائع من الأمريكيين والبريطانيين الذين يتجوَّلون بين باريس وإسبانيا بكامل الثقة والحرية، وبينهم الليدي (بريت آشلي) التي تدمِّر كل أوروبي يقترب منها. في العموم تبدو أوروبا لدى فيتزجرالد وهيمنجواي والأفلام المأخوذة عن رواياتهما خلفية باهتة للحضور الأمريكي القوي، ما يُذكِّرنا برباعية الإسكندرية لـ (لورنس داريل) التي لا يبدو فيها المصريون إلا كهامش بسيط في الرواية.

وودي آلان على الدرب

«النحت» هو اسم التدليل المصري للسرقة الفنية، ويعني السير على درب عمل سابق بدرجة تقترب من اللصوصية. والنحت شيء راسخ في مسيرة المخرج والممثل المحبوب (وودي آلان) الذي نحت النقيضين: (تولستوي، ودوستويفسكي) في أفلامه عن روسيا، ونحت هيمنجواي وفيتزجرالد في فيلمه «منتصف الليل في باريس - 2010» (Midnight in Paris) ضمن سلسلة أفلامه عن المدن.

«منتصف الليل في باريس - 2010» (Midnight in Paris)

دفع وودي آلان ببطله (أوين ويلسن) وهو كاتب ناشئ، مع خطيبته وأسرتها في رحلة إلى باريس؛ فبدا الاختلاف الشديد بينهما؛ البطلة مُولعة بالتسوُّق، تقضي وقتها في المتاجر الفاخرة، بينما يقضي البطل وقته في استكشاف جمال باريس، وفي منتصف الليل تمرُّ به سيارة تحمل أبرز أبناء جيل العشرينيات الأمريكيين، فتتوقَّف له، وعبر نوع من السفر إلى زمنهم يرى هيمنجواي وفيتزجرالد وسلفادور دالي وجيرترود شتاين، وغيرهم، ناحتًا كتاب هيمنجواي البديع «باريس حفل متنقل» وغيره من الكتابات التي تصف حياة ذلك الجيل الأمريكي في المدينة.

ينطوي الفيلم على تحية حارّة وعشق رومانسي لباريس، حيث تبدو العمارة أكثر شبابًا بعد الاهتمام الحديث بالترميم، بخلاف حال العمارة ذاتها في أفلام ما قبل السبعينيات من القرن العشرين، لكن الفرنسيين في الخلفية تمامًا هم نُدُل المطاعم وباعة المتاجر وموظفو الاستقبال في الفنادق؛ مِهن الخدمة والتملُّق بالطبع، وبالكاد نسمع للفرنسيين صوتًا، فهم جزء من خلفية لوحة يلتقي في صدارتها الأمريكي المعاصر بالأمريكي القديم.

وفي فيلمه «إلى روما مع الحب - 2012» (To Rome with Love)، يقع وودي آلان في فخاخ الاستشراق بشكل أكبر. يُقدِّم الفيلم أربع قصص منفصلة؛ الأولى والأخيرة لأمريكيين في روما، والثانية والثالثة لإيطاليين، تتميَّز قصتا الوسط بالأداء الكاريكاتوري، خصوصًا القصة الرابعة للموظف العادي الذي يصبح شهيرًا فجأة وتنقلب حياته رأسًا على عقب. فور عرض الفيلم تناوله نُقَّاد إيطاليون تحفَّظوا على الصورة التي ظهرت عليها روما. (جان لويجي روندي) كتب في صحيفة «ميساجيرو» عن سلسلة أفلام وودي آلان عن المدن: «بعد أن استبدل، ولو مؤقتًا، لندن بمدينته نيويورك، ثم برشلونة، ثم باريس، قد تُمثّل له روما فخًّا خطيرًا، فهي مدينة مليئة بالروائع، لكنها تُخفي أيضًا الكيتش؛ تتّسم بالصرامة الذكية، لكنها، ولا سيّما بسبب ماضٍ قريب نسبيًّا، مشبعة بالأماكن المشتركة، وكثير منها، بين الأغاني والأغنيات الخفيفة، جاهز للوقوع في أكثر أشكال الفولكلور السياحي، حتى بسبب المناظر الشهيرة والعمارة العتيقة. اليوم، وعلى الرغم من إمتاعه أحيانًا، يُظهر آلن أنه لم ينجح تمامًا في تفادي هذا الفخ، رغم أنه يخبرنا منذ العنوان أنه أراد أن ينظر إلى روما بحب».

وقد اعتبرته (أليساندرا دي لوكا)، في صحيفة «أفّينيري»، فيلمًا مخيّبًا للآمال إلى حدٍّ كبير، ليس ذلك لأن روما التي يصوّرها لا توجد إلا كبطاقة بريدية (فآلن قد صنع بطاقات بريدية أخرى من قبل)، بل لأن خلف تلك الصور الجميلة لا يوجد شيء. أربعة فصول/حكايات يشارك فيها ممثلون أميركيون وإيطاليون (من بينهم روبرتو بنيني) تمضي على غير هدى، من دون فكرة تدعمها أو تربط بينها؛ كما أن النكات التي يحتفظ بها آلن لنفسه لا تكفي لإنقاذ فيلم يفتقر حقًّا إلى الإلهام.

في الحقيقة تبدو روما المكان الأكثر إكزوتيكية (غرائبية) في سلسلة أفلام وودي آلان عن المدن، ويرتبط بعلاقة بنوَّة أكيدة بفيلم «عطلة رومانية - 1953» (Roman Holiday)، من إخراج (ويليام وايلر)، ومن بطولة (أودري هيبورن وجريجوري بيك)، وهو الفيلم المؤسس لصورة إيطاليا والإيطاليين في الاستشراق الهوليوودي. حيث تدور أحداثه حول الأميرة آن، التي تصل من مملكة غير محددة في الفيلم، إلى روما في إطار جولة أوروبية، وتلتقي بالصحفي الأمريكي جو برادلي.

«عطلة رومانية - 1953» (Roman Holiday)

في ذلك الفيلم غُرِسَت السمات التي يحملها الرجل الإيطالي سريع المغازلة وادِّعاء الحب، فتعرَّضت الأميرة للمغازلة من الطفل إلى الشيخ الطاعن في السن. ومن غير الممكن لسائقي التاكسي والبائعين في الأسواق والشرطي والأولاد الذين يلعبون في الشوارع أن يغازلوا صاحبة السمو الملكي إلا بفضل حصة مُعتَبرة من البلاهة.

إلى جانب سرعة التصويب العشقي؛ فالإيطالي حسب الفيلم كسول، حالم، ماكر، ودود، ودائمًا مسرحيٌّ في أدائه، حياته بسيطة ومن مظاهرها الاعتماد على الفيسبا كوسيلة مواصلات، وحتى هذا الملمح البسيط ليس حقيقيًا في الواقع الإيطالي.

الفيلم التوأم لهذا الفيلم هو «الصيف - 1955» (Summertime) من إنتاج وإخراج (ديفيد لين) مخرج «لورنس العرب»، ومن بطولة (كاثرين هيبورن) التي تؤدي دور مطلقة أمريكية تُدعى (جين)، حيث تسافر إلى فينيسيا فتقع في حب صاحب متجر هدايا إيطالي، يساهم في تأسيس علاقة الإعجاب الرومانسي بالمكان والرؤية الاستشراقية للرجل الإيطالي الكاذب المُغوي. يمكن تصنيف هذا الفيلم ضمن نوع معروف هو (Fish-Out-Of-Water Romance) الذي يقوم على رحلة سياحية مصادفة أو بدافع ينتهي باكتشاف الذات بعيدًا عن مكانها الأصلي، وهو الأساس لخطٍّ من أفلام (المرأة الأمريكية الوحيدة في إيطاليا)، التي تذهب للتفتيش عن المعنى، أو تسافر بحثًا عن شيء آخر، فتجد معنى حياتها في إيطاليا التي تعيش زمن الشرق: الكسل، العائلة الممتدة، والوفرة الفردوسية أو الفقر الرومانسي المبجل.

تحت شمس توسكانا

بعد انخراط منصات مثل نتفليكس في الإنتاج، زادت أفلام الرحلة، وأصبحت إيطاليا بالذات مكانًا للاستشفاء من خيبات الحب والإفلاس الروحي، وحتى قفلة الكتابة لدى الأدباء تجد علاجها في إيطاليا، الملاذ الروحي وموطن الأحلام النبيلة. ولماذا النساء؟ لأنهن أقدر من الرجال على الاستماع إلى أصوات قلوبهن.

أفلام الرحلة النسائية أكثر من أن يتسع لها مقال واحد، ومن كلاسيكياتها فيلم «تحت شمس توسكانا - 2003» (Under the Tuscan Sun)، من سيناريو وإخراج وإنتاج (أودري ويلز)، باستناد محدود إلى مذكّرات الكاتبة (فرانسيس مايز)، ويعرض باختصار رحلة كاتبة أمريكية في الخامسة والثلاثين. تؤدي الدور الممثلة «ديان لين» التي وصلت إلى توسكانا وفي قلبها جرحٌ من خيانة زوجها لها، وفجأة تُقرِّر شراء فيلا متداعية وتعمل على إصلاحها.

تلال توسكانا، الوسط الذهبي في الخريطة الإيطالية، مُذهلة، وقد صارت مركز هذا النوع من أفلام الرحلة مضمون النجاح، فحقَّق الفيلم 60 مليون دولار، ورُشِّحت بطلته للأوسكار. المكان طاغٍ، والإيطاليون يظهرون دائمًا في صورة أُسَرٍ مُمتدة، حيث الزمن والحياة حلوة، ولا تصل صورة الرجال الإيطاليين إلى الحد التهكمي الذي بلغته صورتهم في فيلم وودي آلان، لكن الكاتبة الأمريكية تظل الأقوى، الأقدر على تأسيس حياتها الجديدة وسط أسماك لم تغادر مياهها.

ويأتي فيلم «رسائل إلى جولييت - 2010» (Letters to Juliet) ليُعزّز صورة المرأة الشمالية القوية المستكشفة للجنوب، ويرسم حدود الجغرافيا، حيث تتجلَّى وحدة إنجلترا وأمريكا في عجوز بريطانية وشابة أمريكية، تُحرّكان السرد ومعهما تتحرك الكاميرا مُستكشفة مزارع وقرى توسكانا. الإنجليزية (كلير) وصلت مع حفيدها (تشارلي) بحثًا عن حبيب إيطالي عابر تركته في شبابها، والأمريكية (صوفي) صحفية وصلت مع خطيبها الطباخ الطموح (فيكتور) المنشغل عنها معظم الوقت، تلتقيان في فيرونا وتتعرفان على سكرتارية جولييت، وهُنَّ مجموعة من المتطوعات الإيطاليات يتولَّين الرد على الرسائل التي تصل إلى جولييت. تبدو الإيطاليات حارسات أسطورةٍ، صُنعت صنعًا من أجل السياحة في فيرونا، بينما تطرق العجوز البريطانية أبواب العديد من البيوت البسيطة، ويخرج لها من خلف كل الأبواب مُسنُّون إيطاليون ظرفاء وماكرون وجاهزون للحب، يدَّعي كلٌّ منهم أنه الحبيب الذي تبحث عنه، وينتهي الفيلم بخيبتها، بينما تنعقد وحدة أمريكا وبريطانيا في حب بين الحفيد الإنجليزي والصحفية الأمريكية التي ستفسخ خطبتها من فيكتور.

جنة الطعام الحلو

الفيلم الأشهر الصادر في العام ذاته هو «طعام، صلاة، حُب - 2010» (Eat Pray Love)، من إخراج (رايان ميرفي) عن رواية من الأكثر مبيعًا للأمريكية (إلزابيث جيلبرت)، ومن بطولة (جوليا روبرتس) القادرة على إخفاء أسماء مخرجي أفلامها خلف حضورها الطاغي. ما يخصُّ إيطاليا في هذا الفيلم، قسم الطعام، الذي يستغرق أربعين دقيقة من الفيلم، حيث يمتدُّ خطُّ الاستشراق ليصل إلى الهند وأندونيسيا.

«طعام، صلاة، حُب - 2010» (Eat Pray Love)

في إيطاليا موضوعنا، يعيش الناس في شقق قديمة ساحرة عامرة بالأصدقاء والشراب، والزيتون وزيته النقي والبيتزا والباستا والجيلاتو. من الذي يدفع ثمن هذا؟ والرجال جاهزون للحب عند كل ناصية، تعويضًا يجلب الرضا لـ (ليز). لكن هذه المستشرقة القوية تملك مصيرها، وقد خطَّطت وحدَّدت لكل مكان من أماكن رحلتها وظيفته. الكاتب (فيدريكو بونتيجيا) كتب عن الفيلم في «مجلة تشينماتوجرفو»: «فيلم مكتظّ حتى التخمة بالصور النمطية، والملل، والافتعال المصوَّر بصيغة بانورامية. لا شيء يكاد يُنقِذ هذا العمل، بدءًا من جوليا روبرتس نفسها، التي تبدو في آنٍ واحد ضحية. وروما التي يمجّدها لوكا أرجنتيرو، للاستهلاك الأجنبي الخالص، ليست سوى خليط من أكثر الأماكن ابتذالًا، وتمجيد فجّ لفلسفة الدولتشي فيتا (الحياة الحلوة) الكسولة؛ لقطات مُقرَّبة لصحون سباجيتي يتصاعد منها البخار، ورحلات إلى نابولي تحت شعار البيتزا، وتأملات سخيفة، وانفعالات عاطفية تعود إلى ما قبل تجفيف مستنقعات بونتين، وموائد عشاء فاخرة إلى حد العقم، وآثار رومانية تبدو أكثر تهالكًا من حقيقتها».

الطهو الذي جعلته السائحة من نصيب إيطاليا في رحلتها هو أحد ركائز الجنة الإيطالية في جميع الأفلام، ويتمدَّد أحيانًا ليصبح مركز الحبكة، كما في فيلم «توسكانا - 2022» (Toscana). في هذا الفيلم البطولة لرجل وليس لسيدة، والاستشراق دنماركي هذه المرة. الفيلم من إخراج وإنتاج (مهدي آفاز)، وهو دنماركي من أصل إيراني. الطاهي ثيو الذي يؤدِّي دوره الممثل (أندرس ماثيسن) يعيش حياة مهنية ناجحة في كوبنهاجن، ويتكئ على نجمتَي ميشلان، لكنها حياة مليئة بالتوتر. وفي وقت حاجته إلى المال لتطوير مطعمه تصله رسالة من محامي والده المتوفى في توسكانا بخصوص ميراثه. ترك له أبوه قصرًا ريفيًّا قديمًا، في مكانٍ قُرب مدينة سيينا، وهناك يلتقي (ثيو) بربيبة أبيه (صوفي) التي تؤدي دورها الممثلة (كريستيانا ديل آنا) ويتذكر طفولتهما معًا. يصل بينما تستعد لعرسها، ويطهو للعرس، ويعقد صفقة لبيع ممتلكاته، لكنه يتراجع عن البيع ويدفع للمشتري تعويضًا مجزيًا، وتترك صوفي زوجها من أجله.

«توسكانا - 2022» (Toscana)

يُقدِّم السرد بناءً واضحًا مُشبعًا لثيو، فنعرف أن أباه هجر العائلة وأنه يكرهه لهذا السبب، ونتعرف على أمه، ولا تحظى الشخصيات الإيطالية بالعناية ذاتها، وتبدو خلفية لرحلة تعرف ثيو على ذاته الحقيقية، مثلهم مثل الفيلا والفيسبا والأرض الممتدة. جشع المشتري كاريكاتيري. حتى صوفي البطولة النسائية تبدو شخصية عصابية؛ فهي تقابل ثيو بجفاء، ثم تُبادله الاهتمام، وتُطلِعه على صورهما معًا في الطفولة، لكنها تُكمل زواجها بلا أي مبرر، بعد هذا التعارف المشحون بالجاذبية مع ثيو.

رجل شمالي يكتشف ذاته في الجنوب الأوروبي، يبدو استثناء وسط البطولات النسائية، سواء من تذهب للاستشفاء الروحي، أو تلك التي تصل إلى أوروبا بوصفها مديرة تسويق ناجحة، تسعى لإتمام صفقة شراء مزارع، وأمام رقة الرجال الأوروبيين يكتشفن إنسانيتهن وينتهين عاشقات، يُفسدن الصفقة ويُقدِّمن استقالتهن.

الطريف أن نتفليكس تعرض حاليًّا فيلمين من إنتاج 2025 تكاد حبكتاهما تتطابقان. أولهما «Mango» من إخراج (مهدي آفاز) الذي يبدو أن الخلطة الآمنة لفيلم الرحلة أعجبته؛ فعاد ببطولة نسائية في «Mango» حيث تتوجه المديرة الطموحة (لاركي) التي تؤدي دورها الممثلة (جوزفين بارك) للاستحواذ على مزرعة مانجو في إسبانيا لبناء فندق عليها، وتصطحب معها ابنتها المراهقة التي تعاني من علاقة معقدة معها، وفي المزرعة ستتصالح مع ابنتها وتقع في غرام المزارع الإسباني (أليكس)، وتختار الحب.

«مشاكل الشمبانيا - 2025» (Champagne Problems)

والفيلم الثاني هو «مشاكل الشمبانيا - 2025» (Champagne Problems)، من كتابة وإخراج (مارك ستيفن جونسون)، وفيه تسافر (سيدني برايس) المديرة التنفيذية الطموحة التي تؤدي دورها الممثلة (مينكا كيلي) إلى فرنسا للاستحواذ على مصنع إحدى أبرز علامات الشمبانيا الفرنسية، وتلتقي مصادفةً (بهنري كاسيل) ابن صاحب الشركة الذي يؤدي دوره (توم فوزنيشكا)، وتنتقل الكاميرا إلى قصر العائلة الريفي شاتو كاسيل. وقد أراد البائع المتردد في الصفقة رغم متاعبه المالية أن يُطلع ممثلة الشركة المشترية على عراقة العائلة ونشاطها. وبسلاح الحب للابن والبيئة الرومانتيكية الريفية تُلغى الصفقة، إذ تتخلى البطلة عن النجاح المهني مقابل السعادة المكتشفة.

تنتقل هذه الثيمة مضمونة النجاح بجرأة كبيرة من فيلم إلى آخر، دون أن تُوجَّه إلى صُنَّاع الفيلم اللاحق تُهمةُ السرقة من الفيلم السابق. وترسِّخ هذه الأفلام صورة المكان الرومانسي الذي يسكنه الكسالى السعداء.

هل هذا خبر سعيد لضحايا الاستشراق الأصليين لأن جنوب أوروبا حَمَل العبء عنهم، أم خبر حزين لأن العالم تقلَّص حتى صارت أوروبا شرقًا وبات الشرق الحقيقي منسيًّا؟