شارك
ظاهرة أفلام الكالت
بدأت ظاهرة أفلام الكالت (Cult Films) في الظهور تدريجيًّا منذ خمسينيات القرن الماضي مع انتشار عروض الأفلام «الرخيصة» في مواعيد مُتأخرة في التلفزيون والسينما. وفي أوائل السبعينيات شهدت المدن الكُبرى، ولا سيَّما نيويورك، عروضًا مُتعاقبة لأفلام غريبة مثل «إل توبو - 1970» (El Topo). هذه العروض رسمت اتجاهًا جديدًا لتكوين جمهورٍ وَفيٍّ ينتمي إلى الفيلم ويُعيد مُشاهدته مرارًا وتكرارًا، ورسَّخت تفاعلًا جماهيريًّا ضمن ثقافة مُضادة للثقافة السينمائية السائدة. ثم امتدَّ الزخم في نهاية السبعينيات بعروض مُنتصف الليل المخصَّصة، مثل «عرض صور روكي هورور - 1975» (The Rocky Horror Picture Show) الذي أخفق تجاريًّا، لكنه أصبح لاحقًا من أشهر أفلام الكالت بفضل طقوسٍ جماهيرية تقوم على المسابقات والارتجال الجماعي.
«إل توبو - 1970» (El Topo)
في الثمانينيات ومع تغيُّر الظروف الاجتماعية -تحديدًا مع نهاية الحركات المضادة وصعود تيار المحافظين- تحوَّلت عروض منتصف الليل إلى تجارب كوميدية ومخمليَّة أكثر منها ممارسات احتجاجية كما كانت سابقًا. وفي التسعينيات مكّنت الوسائط الحديثة (أشرطة الفيديو والأقراص المدمجة والإنترنت) من انتشار هذه الأفلام لدى جمهور أوسع وتكوين قاعدة معجبين جديدة.
تُعرف أفلام الكالت بأنها أعمال اكتسبت جمهورًا مُتفانيًا ومخلصًا ذا طابع خاص، وعادةً لم تنجح تجاريًّا عند صدورها أو قُوبلت بآراء نقدية سلبية، لكنها استطاعت التواصل مع جمهورٍ مُعيَّن ونَمَت شعبيتها لاحقًا في أوساط خاصة. والسبب في ذلك أنها لامست رغبات أو اهتمامات فرعيَّة لدى جمهورها، فتحوَّلت إلى حالة سينمائية ذات معنى خاص لهم. هكذا نشأ مصطلح «الكالت» في السينما في السبعينيات لوصف الثقافة المحيطة بالأفلام المتمردة غير التقليدية، خصوصًا التي عُرضت ضمن عروض منتصف الليل أو المهرجانات الصُّغرى. ويرى الباحث البريطاني (Mark Jancovich, 2003) أن «الكالت» ليس صفةً كامنةً في الفيلم، بل هي عملية اجتماعية وثقافية تصنعها الجماعات، وأن هوية الفيلم الكالتي تتطور دائمًا داخل سياقات معينة من الذوق والهامش والثقافة المضادة.
على مرِّ العقود تغيّرت الخلفيات السياسية والاجتماعية، فصار كثيرٌ من أفلام الكالت يعكس قيم المُقاومة للتيار السائد، إذ غالبًا ما تتحرَّر هذه الأفلام من القيود التقليدية؛ فيبرز فيها العنف والألفاظ الخارجة ونقد الممارسات الاجتماعية، مما جعل لها دورًا ثقافيًّا خاصًّا كنافذة للتعبير خارج المألوف. ورغم أن هذا التمرُّد على التابوهات ولَّد جدلًا وحظرًا، فإن الجدل والحظر جذبا جمهورًا يبحث عن تجربة مختلفة أو صادمة.
ولعل الشيء الساحر في أفلام الكالت يكمن في تحول جمهور صغير إلى جمهور كبير ومُخلِص، يتبَنَّى أسلوبًا احتفاليًا عبر المشاهدة المُتكرِّرة. فتُشير دراسات مثل دراسة (Matt Hills, 2002) و (Henry Jenkins, 1992) إلى أن جماهير الكالت تتّسم بالمشاركة النشطة في تفسير الفيلم وإعادة إنتاجه، وبالولاء طويل المدى الذي يمتد إلى عقود، وباستخدام الفيلم كمرجع وهوية تميّزهم عن الجمهور العام، إضافة إلى تشكيل مجتمعات فرعية (Subcultures) تتجاوز المشاهدة إلى النقاش، وصناعة الميمز، وكتابة نظريات، وحضور عروض جماعية. هذه المشاركة تجعل الجمهور ليس مجرد متلقٍّ، بل مُنتِجًا مشاركًا للمعنى (Participatory Culture). ومن السمات الأساسية لأفلام الكالت الإنتاج غير التقليدي والجودة المنخفضة، وأحيانًا يكون سوء الإخراج المتعمَّد أو العشوائي جزءًا من جاذبيتها، كأن الفيلم سيئ إلى درجة تجعلك تحبه، مثل فيلم «الخطة 9 من الفضاء الخارجي - 1957» (Plan 9 from Outer Space) الذي يُوصَف بأنه قمة السينما الرديئة الممتعة، وقد اكتسب جمهوره الكبير استنادًا إلى هذه السمة الأساسية.
«الخطة 9 من الفضاء الخارجي - 1957» (Plan 9 from Outer Space)
في بعض الأحيان تفتقد أفلام الكالت إلى التسويق المعتاد، أو تكون أفلامًا مُستقلة بميزانية محدودة، ما يجعلها تظهر لاحقًا في مناسبات أو وسائل بديلة، مثل حفلات عرض منتصف الليل أو مهرجانات الأفلام المستقلة. ومن أوائل أفلام هذا النوع فيلم «المشوَّهون - 1932» (Freaks)، فعلى الرغم من كونه أُنتج بواسطة MGM الكلاسيكية، إلّا أنه تعرَّض لحظر وغضب عند صدوره بسبب نظرته الفظَّة لموضوع التشوهات الجسدية. لكن بعد عقود وجد «Freaks» جمهورًا ضمن الحركة المضادة في الستينيات والسبعينيات، وسُجّل لاحقًا ضمن السجل الوطني للأفلام الأمريكية؛ لكونه أصبح فيلمًا كلاسيكيًا ولاعبًا ثقافيًا مُهمًّا. وتكمن قوته، بالمقارنة مع أفلام الكالت الأضعف فنيًّا، في اشتماله على رسالة إنسانية رغم غرابتها، مما جعله مرجعًا أكاديميًا يتمتع بقاعدة مُعجبين عريضة، لا سيَّما أن مشهد «نحن نقبلها» صار أيقونيًّا.
لذلك يرى (Barry Keith Grant) أن جمهور هذه الأفلام يجد فيها تمثيلًا رمزيًّا أو مساحة تعبير لا توفّرها السينما السائدة (Mainstream Cinema)، وبالتالي يصبح الفيلم بالنسبة لهم أداةً لتشكيل الهوية أو الاحتجاج ضد التيار. وفي كتابه «Defining Cult Movies»، يوضح (Mark Jancovich) أن أفلام الكالت تُعبّر عن ذوق مضاد (Oppositional Taste) يرفض المعايير التي تُحدّدها المؤسسات النقدية أو التجارية، وتتجسَّد هذه المقاومة في تقدير أفلام منخفضة الميزانية، والاحتفاء بـ «الغرابة» أو «الرداءة الجميلة» (So-Bad-It’s-Good)، ورفض المعايير الجمالية السائدة. هذا الذوق هو في جوهره سياسي لأنه يعيد توزيع السلطة بين الجمهور والمؤسسة.
«المشوَّهون - 1932» (Freaks)
أمَّا فيلم «عرض صور روكي هورور - 1975» (The Rocky Horror Picture Show) فقد فشل في البداية تجاريًّا، لكنَّ إعادة عرضه كفيلم منتصف الليل أطلقت ظاهرة الجمهور التفاعلي، وهي ظاهرة فريدة من نوعها؛ إذ يقوم المُشاهدون بترديد حوارات الأبطال، ورشِّ الرذاذ، والدخول مُتنكِّرين بزيّ الشخصيات. كل ذلك جعل من الفيلم حالة ثقافية خاصة، فعُرِض بكثرة في النوادي السينمائية والحفلات التنكرية، حيث كان الجمهور جزءًا من العرض نفسه.
أما فيلم الكوميديا السوداء «هيذرز - 1988» (Heathers) الذي يُسلِّط الضوء على غطرسة جماعات المراهقين وظواهر الانتحار، فقد اشتُهر لاحقًا كفيلم كالت بين جمهور صغير انجذب إلى سخرية الفيلم من ثقافة المدارس الثانوية. وعلى الرغم من فشله في شباك التذاكر الأمريكي، إلّا أن الفيلم حقَّق انتشارًا واسعًا على مدى 25 عامًا، حتى توسعت شهرته واقتُبست عنه مسرحية موسيقية على مسارح برودواي. ويُعزَى ذلك إلى مواضيعه الجريئة وحواره المتجاوز اللذين وجدا صدًى لدى جيل لم يعرف مثله في السابق.
«هيذرز - 1988» (Heathers)
ثم صدر فيلم «نادي القتال» (Fight Club) عام 1999، والذي يروي قصة احتجاجٍ شبابيٍّ على استهلاكية المجتمع، فاستُقبِل في البداية بانتقادٍ، وأُثير حوله جدلٌ واختلاف، وعلى الرغم من إيراداته المحدودة والنقد الذي تعرَّض له، فإن إصداره على (VHS) و(DVD) وفَّر له شهرةً لاحقة، وأصبح مثالًا على «فيلم الكالت» بسبب عناصره التمرُّديَّة وغموض رسالته، حتى إنه وُصِف في الذكرى العشرين لإصداره بـ (فيلم الكالت الذي يُعرِّف عصرنا).
وإذا كان فيلم «Fight Club» ينتمي إلى ثقافة الكالت باعتباره فيلمًا مُتمرِّدًا مع الحفاظ على الجودة الفنية، فإن فيلم «الغرفة - 2003» (The Room) على النقيض تمامًا من ناحية الجودة الفنية؛ فهو من فرط رداءته عُرف بكونه (أسوأ فيلم على الإطلاق من ناحية الجودة)، وبطريقته الخاصة صار أيقونةً في ثقافة الكالت. الإنتاج المتواضع والإخراج الرديء جعلا جمهور الكالت يراه كتحفة نادرة، فيجتمعون لمشاهدته معًا بشكل متكرر للسخرية من عيوبه الكثيرة. ورغم عدم وجود مرجعٍ أكاديميٍّ شهير يتناول الفيلم، إلّا أنه مثال صارخ على جمهور كالت يتغذَّى على أخطاء الفيلم بدافع المرح والاستمتاع.
«الغرفة - 2003» (The Room)
هناك أفلام عديدة أخرى لعبت دورًا كبيرًا في ثقافة الكالت، مثل: «عدّاء الشفرة - 1982» (Blade Runner) الذي رُفض في البداية بسبب سوداويته، قبل أن يُعاد تقييمه لاحقًا بوصفه أحد كلاسيكيات الخيال العلمي، و«الموظفون - 1994» (Clerks)، والفيلم الكوميدي الفريد «نابليون ديناميت - 2004» (Napoleon Dynamite). وغيرها من أفلام الكالت، التي تشترك جميعها في أنها وجدت جمهورًا خاصًا وشغوفًا، يتلقَّى الأفلام بطريقة مختلفة عن السائد والمألوف.
ووفقًا لـ (Ernest Mathijs & Jamie Sexton, 2011)، يتغيَّر المعنى الثقافي للفيلم الكالتي باستمرار. على سبيل المثال فيلم «Blade Runner» انتقل من فشل تجاري إلى أيقونة فلسفية بفضل إعادة الاكتشاف الجماهيري، والنقاشات الثقافية، وظهور النسخ المختلفة (Director’s Cut, Final Cut)، وتأثير الإنترنت في إعادة تأويله. وهذا يؤكد أن هوية الفيلم الكالتي تتطور بمرور الوقت، ولا تُحسم لحظة صدور الفيلم.
«عدّاء الشفرة - 1982» (Blade Runner)
عروض منتصف الليل
من أجل فهم الكيفية التي كوَّنت بها هذه الأفلام جمهورها الخاص، لا بُدَّ من التوقُّف عند طُرق عرضها غير التقليدية، وعلى رأسها «عروض مُنتصف الليل»، وهي عروض سينمائية تُقام في وقت مُتأخر من الليل، غالبًا بعد الساعة الثانية عشرة، وتُعدُّ وسيلة لعرض أفلام غير تقليدية أو هامشية بعيدًا عن بنية السينما التجارية الاعتيادية. هذه العروض بدأت كنوع من التجريب خلال الستينيات والسبعينيات في مدن مثل نيويورك وسان فرانسيسكو، في عروض استغلالية ضمن برامج عرض متنقلة.
«نابليون ديناميت - 2004» (Napoleon Dynamite)
في عام 1957 أحدث فيلم «لعنة فرانكنشتاين - 1957» (The Curse of Frankenstein) من إنتاج Hammer Films جلبة خلال عروض منتصف الليل. أمّا التحوّل النوعي الحقيقي فحدث في أوائل السبعينيات عبر فيلم «إل توبو - 1970» (El Topo) لأليخاندرو جودوروفسكي، الذي عُرض لأول مرة في ديسمبر 1970 في Elgin Theatre بنيويورك، وحقَّق شهرة واسعة من خلال عروض منتصف الليل المتكررة التي امتلأت بالجمهور، حتى غطّت عروضه جميع ليالي الأسبوع. وبعد ذلك بأعوام، ظهرت سلسلة من العروض المثيرة مثل «ليلة الأحياء الموتى - 1968» (Night of the Living Dead)، و«طيور النحام الوردية - 1972» (Pink Flamingos)، و«رأس الممحاة - 1977» (Eraserhead)، وغيرها من أفلام منتصف الليل التي لم تكن مجرد عروض سينمائية عادية، بل تحوّلت إلى طقوس اجتماعية. ومن بين هذه الأفلام يبرز «ليلة الأحياء الموتى - 1968» (Night of the Living Dead)، الذي تضمّن بُعدًا نقديًا سياسيًا واضحًا حول العنصرية والعنف، ما عزّز مكانته كفيلم كالت عبر عروض منتصف الليل، بينما قدّم الفيلمان «طيور النحام الوردية - 1972» (Pink Flamingos) لـجون وترز، و«رأس الممحاة - 1977» (Eraserhead) لديفيد لينش، تجربةً سردية غامضة وسريالية، عبر أسلوب سينمائي مثير للصدمة وغير مُقدَّر في الوقت نفسه.
«رأس الممحاة - 1977» (Eraserhead)
هذه العروض وفَّرت للأفلام المنبوذة أو المستبعدة جمهورًا بديلًا، جعل من السينما تجربة اجتماعية حيَّة، تتجاوز المُشاهدة الفردية، وتُشعل طاقة الجماعة التي تتّسم بالولاء الشديد للفيلم. والطابع الجماهيري لأفلام منتصف الليل أسهم بشكل كبير في صُنْع «الشهرة الكالتية» لتلك الأفلام، فالمخرجون والنقاد أصبحوا يُقلّدون الطقوس الجماعية، والمعجبون تحولوا إلى مشاهدين فاعلين، بدلًا من كونهم جمهورًا سلبيًّا. والإعلام الحكائي للأفلام عبر العروض المبكِّرة ساعد على انتشار «نقل الكلام الشفهي» (Word of mouth)، الأمر الذي خلق جمهورًا مُتحمّسًا ومُستمرًّا.
تُبرز أبحاث (J. P. Telotte) و (Jeffrey Sconce) أهمية الطقوس في خلق الفيلم الكالتي في عروض منتصف الليل (Midnight Screenings) التي انتشرت منذ السبعينيات، وساهمت في ترسيخ الفيلم في وجدان المُعجبين عبر الغناء والتعليقات الجماعية، وإعادة تمثيل مشاهد الفيلم. هذه الطقوس تُحوِّل الفيلم إلى حدث اجتماعي لا يمكن فصله عن تجربته الجماعية. وغالبًا ما يرتبط الجمهور في هذه العروض بثقافات فرعية أو هامشية: جماعات الشباب، مجتمع الـ LGBTQ+، محبو الخيال العلمي والرعب، وأنصار السينما المستقلة.
ومع الوقت، وامتدادًا لهذه التقاليد الجماهيرية، تغيَّرت التجربة السينمائية، فأصبح المزيد من أفلام الكالت يُعرض ضمن مهرجانات أفلام منتصف الليل أو عبر خدمات البث المتخصصة مثل «Night Flight Plus»، الذي يُعيد ربط الجمهور بثقافة الكالت والأفلام البصرية البديلة. وتوضِّح وثائقيات مثل «تايم وورب: أعظم أفلام الكالت على مرّ العصور» (Time Warp: The Greatest Cult Films of All-Time) كيف أن جمهور الكالت هو من يصنع السحر خلف هذه الأفلام المتمرِّدة لصالح الجماهير الأصيلة.
أفلام الكالت ذات الجودة الفنية العالية
يُشير Jeffrey Sconce في دراسته عن (paracinema) إلى أن أفلام الكالت غالبًا ما تتعمَّد الإسراف البصري أو السردي، وتعرض شخصيات غريبة وسيناريوهات غير منطقية، وتستخدم رموزًا وأيقونات خارج النظام الهوليوودي التقليدي. وإذا كان هذا التصوّر يعبّر عن جانب من أفلام الكالت التي تحتفي بالغرابة والرداءة، فإن من المهم في المقابل عدم الخلط بين مُصطلحيْ (Cult Films) و(Cult Art Films)، حيث يُستخدم الأخير في دراسات السينما الغربية لوصف نوع خاص من الأعمال الفنية التي تجمع بين خصائص سينما الفن (Art-house cinema) وخصائص أفلام الكالت (Cult films). وهذا النوع لا ينتمي إلى الكالت التقليدي (الرعب، العنف، الرداءة المحببة)، ولا إلى الفن الرفيع الخالص المُعتَرف به منذ البداية، بل يقع في منطقة وسط، يُقدّرها جمهور صغير لكنه شديد الولاء.
مصطلح (Cult Art Film) يُشير إلى فيلم فنِّي مُستقل يكتسب مع الوقت جمهورًا مخلصًا ونوعيًا، يُعيد مشاهدة الفيلم مرات عديدة، ويطوّر علاقة خاصة معه، رغم أن الفيلم ليس جماهيريًا أو تجاريًا، بل هو فيلم «فنِّي» أصبح «كالتيًّا» بسبب جمهوره النوعي وتأثيره اللاحق، عند صدوره لا يُحقِّق الفيلم عادةً نجاحًا تجاريًّا ولا انتشارًا شعبيًا، لكن مع مرور الوقت يكتشفه جمهور نخبوي، ثم يُعاد تقييمه كعمل مهم ويتحول إلى «ظاهرة صغيرة» داخل دوائر السينما الفنية.
من الأمثلة على هذا النوع فيلم «البرتقالة الآلية - 1971» (A Clockwork Orange) لستانلي كوبريك، و«سائق التاكسي - 1976» (Taxi Driver) لمارتن سكورسيزي. هذا النوع لا يجذب عادةً الجمهور العام، بل طلاب السينما، والنقاد، وهواة السينما المستقلة، ومشاهدين يُحبّون الرمزية والأسلوبية؛ هؤلاء يعاملون الفيلم كما لو كان «كنزًا سريًّا». غالبًا ما تتميّز هذه الأفلام بجمالية فنية واضحة، وكاميرا مميزة، ورمزية، وبناء بصري غير تقليدي، وإيقاع بطيء نسبيًا، مع اعتماد أكبر على المزاج (Mood) أكثر من الأحداث، وقد اكتسبت لاحقًا جمهورًا واسعًا من عشّاق السينما الفنية.
أفلام الكالت في السينما العربية
ما تصفه الدراسات الغربية عن «Cult Art Films» لا يبدو بعيدًا تمامًا عن تجارب عرفتها السينما العربية، فهناك أيضًا أفلام عربية راقية لم تكن جماهيرية عند صدورها، ثم أعاد الزمن اكتشافها ومنحها جمهورًا وفيًّا تعامل معها بشكل خاص.
«الحريف - 1983»
لا يُعدُّ فيلم «الحريف - 1983» لمحمد خان فيلم كالت بالمعنى الشائع لأفلام الرعب أو الغرائبية أو الرداءة المقصودة، بل هو (Cult Art Film)؛ أي عمل راقٍ، نخبوي، اكتسب مع الوقت جمهورًا مُخلِصًا ونظرة تقديرية متأخرة. وهو واحد من أكثر الأفلام المصرية التي أعاد الزمن اكتشاف قيمتها، وأصبح جزءًا من الهوية السينمائية للمدينة المصرية.
«الكيت كات - 1991»
أمَّا فيلم «الكيت كات - 1991» لداوود عبد السيد، فيُعدُّ أكثر الأفلام العربية اقترابًا من مفهوم الكالت الحديث، إذ فشل جماهيريًا عند عرضه الأول، لكنه أصبح لاحقًا ذا مكانة أسطورية، وتحوَّل إلى مصدر ضخم للاقتباسات، ولاقى تقديرًا نقديًّا متأخرًا أعاد اكتشافه، واكتسب جمهورًا وفيًّا يشاهد الفيلم مرارًا ويتعامل معه كهوية ثقافية. وبشكلٍ عام، فإن عددًا من أفلام محمد خان وداوود عبد السيد أصبحت جزءًا من ذاكرة جماعية وخاصة لدى المهتمين بالسينما البديلة مثل: «أحلام هند وكاميليا»، و «أرض الخوف»، و «رسائل البحر».
«حدوتة مصرية - 1982»
حتى أفلام يوسف شاهين المتأخرة رغم قيمتها الفنية، فإن جماهير مُعيَّنة تتعامل معها بنمط الكالت، فتُشاهدها بحماس وترى فيها طقسًا فنيًّا وثقافيًّا، مثل «حدوتة مصرية - 1982»، و«وإسكندرية… كمان وكمان - 1989».
أمَّا بالنسبة للتجارب السينمائية الحديثة، فإن فيلم «سمير وشهير وبهير - 2010» لمعتز التوني تحوَّل إلى «فيلم كالت» بين الشباب عبر الإنترنت، حيث ظهرت السمات الكالتية كالاقتباسات والميمز، بالإضافة إلى الجمهور المتحمّس الذي أعاد إحياء الفيلم على منصات التواصل، فارتبط الفيلم بنوستالجيا مبكرة لجيل الألفية.
«قبضة الهلالي - 1991»
وفي السينما المصرية نجد أيضًا أفلام الكالت التي تفتقر إلى الجودة الفنية؛ مثل أفلام الأكشن منخفضة الميزانية في عصر الشرائط (VHS)، وهذه ظاهرة كالتية واضحة وشبيهة بما حدث في أميركا مع أفلام الأكشن الرخيصة. أفلام مثل «قبضة الهلالي» و «أسياد الشر» تمتلك اليوم جمهورًا يشاهدها بدافع النوستالجيا أو السخرية المحبَّة (camp aesthetics).
نفس النوع من الأفلام ظهر في لبنان الذي كان يُعاني من الحرب الأهلية (1975 - 1990)، إذ تراجع الإنتاج السينمائي الرسمي مع ذروة الحرب في الثمانينيات، وانتشرت أفلام الحركة والفوضى المصنوعة بميزانيات منخفضة، منها موجة أفلام حرب تعتمد على «إعادة استخدام اللقطات» (Recycling Footage)، وأفلام سريعة الصنع تستهدف أسواق الفيديو (VHS). أفلام مثل «الانفجار - 1982» و«الصرخة - 1985» اكتسبت لاحقًا جمهورًا مهتمًا بالغرابة والتجريب وبالرؤية البدائية للعنف والحرب، مما جعلها تُقرأ اليوم بوصفها «أفلام كالت».
«الحدود - 1984»
أمَّا في سوريا فكانت السينما تحت مظلة المؤسسة العامة للسينما، فأنتجت أفلامًا واقعية، شعرية، أو ذات بُعد فكري، مع فرض قيود إنتاجية وسياسية، لذا حضرت بقوة أفلام الكاتب/المخرج (Auteur Cinema). أفلام من قبيل «الحدود - 1984»، و«رسائل شفهية - 1991». في الوقت نفسه، أصبح لبعض أفلام المرحلة جمهور متخصص يعيد اكتشافها اليوم بسبب ندرتها، فاكتسبت كالتًا نخبويًّا بدلًا من «الكالت الشعبي»، أي أقرب إلى الـ(Cult Art Film) كما تُعرّفه دراسات السينما الغربية. لذا فإن هذه الأفلام تُعامل في يومنا هذا كأعمال «كالتية» حتى لو لم تُعرف كذلك في وقتها. وبشكلٍ عام تُعتبر الأفلام اللبنانية والسورية في الثمانينيات جزءًا مُهمًّا من تاريخ السينما العربية، وقد اكتسبت بعد عقود مكانة «كالتية» بسبب ندرتها، وغرابتها، وسياقها السياسي، أو شعريتها الفنية. وبينما يُعيد الجيل الجديد اكتشاف هذه الأفلام عبر المنصات والأرشيف الرقمي، تتأكد قيمتها كأعمال لا تُقرأ بوصفها سينما فحسب، بل بوصفها وثائق ثقافية لمرحلة مُتفجِّرة سياسيًّا وجماليًّا.
الفيديو المنزلي (VHS) وانتشار أفلام الكالت
بعد هذا الاستعراض لرحلة أفلام الكالت في السينما العالمية والعربية، يتبيَّن أن ما يجمع هذه التجارب ليس الموضوعات أو الأشكال الفنية وحدها، بل أيضًا اعتمادها على مسارات عرض وتوزيع هامشية خارج النظام التجاري السائد. ومع مطلع الثمانينيات لم تعد قاعات العرض الهامشية وحدها هي الحاضنة لهذه الظاهرة، إذ ظهر وسيط مادي جديد سيغيِّر جذريًّا طريقة تداول أفلام الكالت عالميًّا، خاصةً في السياق الغربي، وهو الفيديو المنزلي (VHS).
هذا الوسيط نقل أفلام الكالت من المسارح الليلية إلى المنازل، ما أدَّى إلى تعزيز ولاء الجمهور وتراكم الثقافة الشعبوية، وأتاح لعشاق السينما الفرعية (Subculture) حفظًا ماديًّا لأفلام قد يتعذّر العثور عليها لاحقًا. ومكتبة جامعة ييل مثال حي على ذلك، إذ جمعت آلاف أشرطة (VHS)؛ أفلام رعب وثقافة مضادة من أجل الحفاظ عليها. كما أن بعض الأفلام التي لم تصدر بصيغ رقمية أو لم تدخل مجالات التوزيع التجاري عُرفت من خلال (VHS) فقط. وقبل عصر البث الرقمي والإنترنت، كانت متاجر تأجير الفيديو -بمحسوبية العاملين فيها أو تغليف الأشرطة الغامض- مصنعًا لاكتشاف الأفلام الغريبة والمثيرة. فأصبح (VHS) صندوقًا لعالم بديل، تُكشف فيه كنوز أفلام الكالت بأسلوب شخصي ومجتمعي. كما كانت جودة (VHS) الرديئة، مثل التشويش واللون الباهت، جزءًا من جاذبيتها أيضًا. هذه الجودة الرخيصة أضْفَت الطابع الخام والواقعي على الأفلام، ما دعَّم التجربة الجماعية للأفلام فيما يُعرف بالـ (pre-cinema)، مُحمَّلةً بالغرابة والمتعة المتعمدة.
وإلى جانب ذلك، ظهرت في الثمانينيات أفلام مُصوَّرة بالكامل بواسطة كاميرات (VHS) تُعرف بـ «Shot-on-video films». كانت غالبية هذه الإنتاجات من أفلام الرعب منخفضة الميزانية، وتبيّن أن أفلام (VHS) لم تكن وسيلة عرض فقط، بل منصة إنتاج في متناول الهواة. وفي أوائل فترة (VHS)، برزت شركات توزيع مثل (Wizard Video) بتغليفها الجريء واللاذع. هذا الغلاف الجذَّاب صُمّم خصيصًا لجذب متذوقي الثقافات الفرعية، وخصوصًا لعشاق الرعب وأفلام التعذيب.
لقد شكّل نظام (VHS) نقطة تحول جوهرية في تطوّر أفلام الكالت، ليس فقط كوسيلة لتوزيع وحفظ للأعمال السينمائية الغامضة، بل أيضًا كعامل تمكين للإنتاج المحلي، ومحفِّز لروح الاكتشاف والمشاركة المجتمعية. واليوم، رغم سيطرة البث الرقمي، يبقى (VHS) رمزًا للأصالة والتشارك، وتراثًا لا يزال يُحيي ظاهرة هواة أفلام الكالت وعشّاق السينما البديلة.
وحتى مع توسّع البث الرقمي ومحاولات تجديد الأرشيف، بدأ الـ (VHS) يستعيد مكانته كرمز للحنين والبساطة الكلاسيكية. وهناك وثائقي بعنوان «Cult of VHS» يتتبَّع الشعبية المتجددة لنظام الفيديو المنزلي حتى في عصر الإنترنت. كذلك ظهر توجه نحو إعادة فتح متاجر تأجير فيديو تقليدية، حتى في الطوابق السفلية للمنازل، ليُعاد خلق تجربة (VHS) الاجتماعية والحميمة. في لوس أنجلوس على سبيل المثال تأسس «Vidiots»، وهو متجر فيديو خيري يعيد روح (VHS) القديمة مع عروض ومجتمع ينبض بالحياة.
الكالت في عصر التوسع الرقمي
كانت أفلام الكالت سابقًا تعتمد على الندرة، حيث النسخ محدودة، وصالات العرض متخصصة، والمجتمعات صغيرة مكتفية ذاتيًّا. لكنَّ البثّ الرقمي (مثل Netflix وAmazon Prime وShudder وYouTube) جعل هذه الأعمال متاحة عالميًّا وحوَّلها من حالة الندرة إلى الوصول الواسع (From Scarcity to Accessibility).
يرى (Mareike Jenner, 2018) أن الوصول السهل خلق جمهورًا جديدًا غير مُختص دخل عالم الكالت عبر الخوارزميات والتوصيات، فأدَّى إلى «دمقرطة» نوعية المشاهدة. وساهم هذا التحول في زيادة اكتشاف الأفلام الكالتية القديمة، فتلاشت فكرة «الفيلم الغامض النادر» وتوسَّع مفهوم الكالت ليشمل أفلامًا كانت مهمّشة لسنوات.
ويشير Matt Hills إلى أنّ جمهور الكالت التقليدي كان مُتمرّدًا، يجتمع في فضاءات بديلة ويعرّف نفسه ضد الثقافة السائدة. أما اليوم، فقد أصبح جمهور الكالت أوسع وأقل تخصصًا، وأكثر تنوعًا جغرافيًّا، ومترابطًا عبر المجتمعات الرقمية (Reddit، Discord، TikTok). هذه التحولات أعادت تعريف الكالت باعتباره ظاهرة موزّعة رقميًّا، وغير مرتبطة بالحيّز المادي.
ووفقًا لـ (Jenner, 2018)، أصبحت الخوارزميات قادرة على توجيه الجمهور نحو أنماط جمالية مُحدَّدة تشبه أعمال الكالت، مما يجعل المنصات جزءًا من عملية «صناعة الذوق». وبرز دور الخوارزميات باقتراح أفلام غريبة، تجريبية، أو منخفضة الميزانية، فربطت المستخدمين بجمهور يشاركهم الاهتمام وحوَّلت الأفلام المهمشة إلى أعمال ترند. فمن خلال تلك الخوارزميات أصبحت اهتمامات الجمهور قابلة للقياس والتحليل، والظواهر الكالتية تندرج داخل نظام تجاري يضبطها، والشركات تستطيع تسويق الكالت بشكل ممنهج. وبذلك تَحوَّل الكالت من ظاهرة مضادة إلى جزء من اقتصاد المنصة. لذلك كان Hills يُحذّر من أن هذا قد يؤدي إلى توحيد الذوق بدلًا من اختلافه، الأمر الذي يضعف جوهر الكالت الأصلي.
على الجانب الآخر، يعتقد Ernest Mathijs أن منصات البث خلقت نوعًا جديدًا من الكالت يُسمَّى: «Instant Cult Movie»، أي أن الفيلم يصبح «كالتيًا» سريعًا بعد أيام من صدوره بسبب الانتشار عبر المنصات، والترندات الرقمية، وثقافة الميمز، وتحليلات اليوتيوب، والتفاعل اللحظي. وبالتالي لم يعد الكالت عملية بطيئة تستغرق سنوات، بل تحدث خلال أيام قليلة. كما يؤكد Henry Jenkins على أن الثورة الرقمية عزَّزت مشاركة الجمهور وثقافة المشاركة (Participatory Culture) عبر المنتديات، و(Reels)، وفيديوهات التحليل والشرح، وكتابة النظريات والمراجعات، والمحتوى الجماهيري (Fan Edits، Mashups). هذه الممارسات أعادت إنتاج معنى الفيلم، وأسهمت في خلق مجتمع تأويلي حوله.
وكما ذكرنا من قبل، شهرة أفلام الكالت تاريخيًّا جاءت من خلال طقوس المشاهدة، لكن في عصر البث الرقمي انخفضت المشاهدات الجماعية المادية، وتحوّلت الطقوس إلى الفضاء الرقمي (Watch Parties، Twitch، Discord). وبذلك تحوَّلت الطقوس إلى طقوس افتراضية بدلًا من الطقوس الحضورية القديمة. مع ذلك فإن أبحاث Mathijs و Sexton تُشير إلى طقوس رقمية جديدة، مثل مشاهدة الفيلم مع تعليقات الجماهير المباشرة، وإنتاج ردود فعل فيلمية (Reaction Videos)، وتحويل المشاهد إلى (مِيمْز)، وإعادة تدوير اللقطات عبر (Remix Culture). هذه الطقوس الرقمية جعلت الفيلم «يعيش» خارج بنيته الأصلية.
وبفضل تلك المنصات، أصبحت هناك قوائم لـ «أفضل أفلام الكالت»، وقنوات متخصصة في السينما الغريبة أو المهملة، وأرشفة مستمرة لأفلام لم تكن معروفة. هذه الذاكرة الرقمية أعادت الاعتبار لأفلام الثمانينيات والتسعينيات وأدامت حضورها الثقافي. والأفلام التي تُعرف بـ «So-Bad-It’s-Good» مثل فيلم «The Room» اكتسبت جمهورًا جديدًا بفضل البث الرقمي. تقول (Joan Hawkins) إن الرقمية عزَّزت تقدير «الجماليّات المنحطّة» (Trash Aesthetics) لأنها متوافقة مع ثقافة الإنترنت الساخرة. ومصطلح (Paracinema) الذي قدَّمه Jeffrey Sconce أصبح أكثر حضورًا بسبب المنصات التي تعرض أفلامًا تجريبية، تُوسّع تعريف الفيلم «الكالتي» ليشمل أعمال الويب، وتعيد دمج السينما المهملة مع التيار المعرفي العام.
غيّر البث الرقمي جذريًّا طبيعة أفلام الكالت من حيث الوصول، والجمهور، والطقوس، والذاكرة الثقافية، وإنتاج المعنى. فبدلًا من أن تكون أفلام الكالت ظاهرة محصورة بجماعات صغيرة ومشاهدات ليلية، أصبحت اليوم ظاهرة رقمية عالمية تتشكَّل عبر الخوارزميات، والمجتمعات الافتراضية، وثقافة المشاركة.
لكن على الرغم من أن الرقمنة زادت من انتشار أفلام الكالت، إلّا أنها في الوقت نفسه وضعت الظاهرة داخل اقتصاد المنصة، مما يطرح تساؤلات جديدة حول ما إذا كانت أفلام الكالت ما زالت «مضادة» أم أصبحت جزءًا من منظومة رأسمالية أوسع.
