عودة

أفلام نهاية العالم وسؤال الطبيعة الإنسانية


بدر الراشد

24/02/2026

تُعدُّ أفلام نهاية العالم (Apocalyptic Movies) وأفلام الديستوبيا (Dystopia) من الأنواع الفيلميَّة التي تحظى برواج ونجاح واسعَيْن، وتتضمَّن سلاسل أفلام جماهيرية رائجة منها على سبيل المثال مجموعة أفلام «مباريات الجوع» أو (The Hunger Games)، وأفلام «ماكس المجنون» (Mad Max)، وأفلام «كثيب» (Dune)، إضافة إلى أفلام فرديَّة مثل فيلم «الطريق - 2009» (The Road)، وفيلم «محطم الثلج - 2013» (Snowpiercer)، وأغلب أفلام الزومبي والحياة بعد الكوارث القصوى التي تعصف بالحضارة الإنسانية وتعيد البشر إلى حالة (الطبيعة) أو (عالم ما قبل الدولة) إن صحَّ الوصف.

وتتنوَّع هذه الأفلام في طرائق تناولها لأسباب نهاية العالم، ولا نقصد بنهاية العالم هُنا يوم الحساب، فهناك نهايات أُخرى مُفتَرضة للعالم، غالبًا ما تتأثَّر بالأوضاع السياسية الدولية الآنية أو القضايا الأهم على الأجندة العالمية، سواء بسبب المنظمات الدولية أو الدول المركزية، أو وفق الأولويات الإعلامية. فعلى سبيل المثال، في الخمسينيات والستينيات كان الخوف من حرب نووية تعصف بالعالم مُبرَّرًا في ظل بدايات الحرب الباردة الأمريكية السوفيتية، قبل أن تستقرَّ -نوعًا ما- طبيعة الحرب الباردة بين الجانبين في السبعينيات، وهكذا نرى أن الأفلام التي تتحدَّث عن مخاطر التغيُّر المناخي لاقت رواجًا في التسعينيات، بينما فرضية نهاية العالم بفعل فيروس أو وباء باتت مُلِحَّة في بداية القرن الحادي والعشرين.

من الانفجار النووي إلى التغيُّر المناخي، ومن انتشار الفيروسات والأوبئة إلى غزو فضائي للأرض، تتنوَّع أسباب نهاية العالم في السينما، حتى إن افتراض أسباب النهاية لا يُذكر أحيانًا في الفيلم ويُترَك للتخمينات، إلا أن هذه الأفلام تتضمَّن رؤية مُشتَركة للبشر إن صحَّ التعبير، تُعدّ امتدادًا للرؤية الرأسمالية/الليبرالية للعالم الذي نعيش فيه اليوم، وكما يرى (إريك فروم)، فإن البشر اليوم يتخيَّلون الجنة متجرًا مليئًا بالسلع، وقدرة لا مُتناهية على الشراء والاستهلاك، هذه هي جنة البشر اليوم، ويقول فروم: «لا حدود لقدرتكم الشرائية، وتستطيعون أن تشتروا موديلًا جديدًا كل عام». ومن هنا يُمكن القول إن أفلام نهاية العالم، أو ما بعد الكارثة، قائمة بصورة أساسية على رؤية رأسمالية للعالم، وللطبيعة البشرية، ويُحكَم إطار هذه الأفلام برؤية هوليوود والسينما الأمريكية عمومًا.

لقطة من فيلم «الطريق - 2009» (The Road)

في فيلم «الطريق - 2009» (The Road)، المقتَبَس عن رواية بالاسم نفسه لـ (كورماك مكارثي)، ومن إخراج (جون هيلكوت)، يحاول الأب والذي قام بدوره (فيجو مورتنسن) حمايةَ ابنه من الجوع والعطش، والبشر الآخرين الباحثين عن نجاتهم أيضًا في وسط الدمار واليأس المحيط بهما من كل جانب، فلا يُحيط بالأب وابنه إلا الخراب والأعداء في طريقهما الطويل إلى النجاة / البحر.

يبدأ الفيلم بمشاهد البحث عن الأشياء؛ الطعام والماء، وكل الخوف في الفيلم يتمحور حول تجنُّب آكلي لحم البشر، واللحظة العظيمة تأتي عند اكتشاف مستودع تحت الأرض مليء بالمعلَّبات والمؤونة. هنا نجد أن عالم ما بعد الكارثة مبنيٌّ على الندرة؛ ندرة الموارد، وندرة الخير، وندرة الأمل كذلك، والاقتتال يكون للحصول على الفتات. وانعدامُ الأمل يتجسَّد في مشهد سرقة العربة التي تحمل المعلَّبات التي يحتفظ بها البطل وابنه، على يد تائه جائع، ويكون الردُّ ليس بإعطائه بعض الطعام، بل بتعريته وسَلبِه كل شيء، فعالم ما بعد الكارثة مبنيٌّ على الأنانية، والتنافسية، والعنف، هذه هي طبيعة البشر بحسب الرواية الرأسمالية للتاريخ.

في فيلم «كتاب إيلاي - 2010» (The Book of Eli)، من بطولة (دنزل واشنطن) و(غاري أولدمان)، لا تختلف الصورة عن المشهد الدارج في أفلام ما بعد الكارثة، فنقصُ السِّلع أساسي، حتى العثور على قارورة شامبو يُعدُّ معجزة وأداة تفاوض حاسمة. لكن الفيلم يذهب إلى منطقة أخرى؛ دينية، لكن على الطريقة الأمريكية، فبعد انهيار العالم بفعل قنبلة نووية، وعجز البشر عن النظر إلى الشمس (الحقيقة) يصبح البحث عن الكتاب المقدس هاجسًا لـ (كارنيجي) الذي يطمح إلى إعادة بناء الحضارة من خلال السيطرة على البشر عبر الإيمان، لذا يبحث عن هذا الكتاب، فالإيمان في الفيلم أداة سيطرة بيد الأشرار ونور وبصيرة للأخيار، على غرار ثنائيات هوليوود في صراع الخير والشر.

دنزل واشنطن هنا يمثل الخير الأبدي، البطل الأوحد، الذي يقاتل الجميع لحماية الكتاب المقدس، وهو مُرسَل من الرب، فالإله يحميه، ليوصل الكتاب إلى البشر، ولينشر نوره في الأرجاء، وهذا البطل الأوحد (الأمريكي) ينتصر في النهاية، ليستقر الكتاب المقدس بيد الأخيار ويبقى إرثًا عظيمًا للبشر.

لقطة من فيلم «كتاب إيلاي - 2010» (The Book of Eli)

أمَّا فيلم «محطم الثلج - 2013» (Snowpiercer)، والمقتَبس من رواية بنفس الاسم للكاتب الفرنسي (جان مارك روشيت) وإخراج (بونج جون هو) فيذهب باتِّجاه أكثر تعقيدًا، في الرؤية الثقافية الغربية المضادة للرأسمالية، وإن اتَّفق في منطلقاته مع الثقافة الرأسمالية، فبعد نهاية الحضارة يعيش من تبقَّى من البشر في قطار يتحرَّك أبدًا وسط الجليد، فالوقوف يعني الموت، وفي داخل القطار ينقسم البشر إلى طبقة الأثرياء المرفَّهين، والفقراء المُستَغلِّين، فيحاول الفقراء الثورة على جوعهم ويأسهم وقامعيهم، فنجد في الفيلم، كل معالم الصراع البشري والأنانية والخيانة واليأس والبحث عن الأمل في وسط الدمار، فلا أحد يتعاطف مع الفقراء، والفقراء بدورهم مُحبَطون من فشلهم المستمر في تغيير مجرى الأحداث، ويخافون خذلان بعضهم لبعض، ولكن لا بديل عن المقاومة.

هذا الفيلم يطرح نفس المفاهيم الرأسمالية للوجود الإنساني؛ الأنانية، والتنافسية، والعنف، ولكن من وجهة نظر يسارية تختلف عن الرؤية الرأسمالية، وتتحاور معها، لكن بذات الأدوات والآليات. يتجلَّى قاموس (كارل ماركس) في الفيلم، فالصراع الطبقي رئيس، والقِلَّة المسيطرة تتحكَّم بالموارد، وتتحكَّم ببقية البشر عبر العنف والاضطهاد، إذ يُرسِّخ الأغنياءُ المسيطرون فكرة أن: «كل إنسان في موقعه الذي قُدِّر له» بصورة حتمية ويُرسِّخ الفيلم فكرة المؤامرة التي تحاول التحكم في حياة البشر، فنجد (ويلفورد) صانع المحرّك والمتحكِّم فيه، يتآمر مع (غيليم) أحد الرؤساء السابقين المنخرطين مع الفقراء، تطبيقًا لنظريات الندرة الاقتصادية، وعجز الموارد عن تلبية احتياجات البشر وذلك في تنظيم ثورات متكررة تؤدي في النهاية إلى إبادة جزء من الفقراء، لكن بطل الفيلم (كرتس) يعبِّر عن رؤية ماركسية ثورية تقوم على التغيير الجذري وكسر العجلة (المحرّك)، بدل أن يكون ترسًا في ديمومتها.

وفي الفيلم أيضًا نجد تجلِّيًا للروح الداروينية الطبيعية، ونظريات ما يُسمَّى بالداروينية الاجتماعية، والتي وضعها (هربرت سبنسر) المُعاصِر لـ(داروين)، فعند تعطُّل آليات الطبيعة، يقوم البشر بدورها عبر الصراع من أجل البقاء، نزولًا عند فرضية البقاء للأقوى؛ لمن يُبيد خصومه دون رحمة.

لقطة من فيلم «محطم الثلج - 2013» (Snowpiercer)

ونجد هذه الملامح (الأنانية، والتنافسية، والعنف) في أفلام مباريات الجوع «The Hunger Games» والمقتَبسة عن روايات بذات الاسم للكاتبة (سوزان كولنز)، فنجد القصة ذاتها تتكرَّر بتجليَّات مختلفة، قاسمها المشترك العنف والأنانية، وأن التعاطف والشفقة حالات فردية وبطولات استثنائية، ففي النسخة الأحدث من هذه السلسلة «أنشودة الطيور المغرّدة والثعابين - 2023» (The Ballad of Songbirds & Snakes)، والتي تتناول قصة صعود الشاب (كوريولانوس سنو) إلى السلطة، سنو، الذي يقوده الطموح والأمل بتغيير حياته يبدو قَدَرُه مرتبطًا بقَدَرِ فتاة من منطقة 12 المقموعة والمضطهدة (لوسي جراي بيرد)، فينشأ التعاطف معها والرغبة في مساعدتها بدافع القَدَرِ المشترك، لا التعاطف الإنساني، وإن تحوَّلت القصة إلى تجاذب أعمق بمرور أحداث الفيلم، فهنا يبقى الجياع في الحلبة، يتصارعون حتى الموت، والكل يتفرج، لأن قانون الجوع يلغي التعاطف بين البشر، ويهدم الشفقة في دواخلهم.

نجد في السلسلة تجلِّيًا لفكرة الفصل بين البشر، والصراع الطبقي، فالبشر مُقسَّمون في مقاطعات مختلفة، بعضها شديد الغنى، والآخر شديد الفقر، ومباريات الجوع تُطرح للتسلية، وللإلهاء، من قبل الطبقة المسيطرة، ونجد الطائر الحكاء (جينيفير لورانس) يقوم بدور البطل الأوحد، الأمل للثورة على الطبقة المسيطرة، رمز الفقراء والمحرومين.

أما سلسلة أفلام «ماكس المجنون» (Mad Max)، فقد ذهبت إلى منطقة استعراضية أكبر، تقوم على الأكشن والعوالم المتخيَّلة لعالم ما بعد الكارثة، فبعد سلسلة الأفلام التي ظهرت في الثمانينيات من بطولة (ميل جيبسون) والمبنيَّة على الأكشن والمطاردة، عادت السلسلة في عام 2015 بنسخة استعراضية، ممتعة بصريًّا، تتضمَّن الأساسيات: الأنانية، والتنافسية، والعنف، وتؤكّد نقص الموارد والحياة، في عالم دارويني يقوم على الصراع من أجل البقاء، والبقاء للأقوى، لا للأصلح.

لقطة من فيلم «ماكس المجنون: طريق الغضب - 2015» (Mad Max: Fury Road)

تشترك هذه الأفلام الغربية في كونها قائمة على فكرة مفادها أن الهمجية هي الصفة الأبرز للبشر بعد غروب الحضارة الإنسانية، فبعد نهاية العالم، وتحطُّم كل شيء، يعيش البشر الناجون دون شيء يُنظِّم مسار حياتهم، فيتحدَّد مآلهم بناءً على قيم القسوة والعنف، والأنانية، وانعدام الثقة، والتنافس على الموارد المحدودة المتبقية، وغالبًا ما تُصوِّر الطيبة والرحمة والاهتمام بالآخرين باعتبارها سلوكًا استثنائيًّا للأبطال، يحدث غالبًا بدافع الحب، ونادرًا بدافع الشفقة؛ وسأحاول هنا تتبُّع جذور هذه الفرضية ثقافيًّا.

عالم ما قبل الدولة: نظريات العَقْد الاجتماعي

في القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديَّيْن كُتبت أبرز كلاسيكيات نظريات (العقد الاجتماعي) في الفلسفة السياسية، والتي جُسِّدت في أهم كتابين في هذا الباب وهما كتابان «اللفياثان» لتوماس هوبز، و«العقد الاجتماعي» لجان جاك روسو، وفي كلا الكتابين محاولة للإجابة عن سؤال طبيعة الدولة ومعايير الحكم الرشيد، وللإجابة عن هذا السؤال احتاج كلٌّ من هوبز وروسو إلى العودة خطوةً إلى الوراء وطرح سؤال مُلتبس وتصعب الإجابة عنه، مرتبطًا بطبيعة الإنسان، السؤال الذي أخذ هوبز وروسو إلى طرق مُتنافرة ونتائج متباينة.

في «اللفياثان» يبني هوبز نظريته السياسية على مبدأ الطبيعة الشريرة للبشر، لأن «الإنسان ذئب أخيه الإنسان»، والحرب هي أصل العلاقات الإنسانية، فلو افترضنا حالة الطبيعة، وهي حالة افتراضية من انعدام للحضارة والسلطة والدولة، لقام البشر بالفتك ببعضهم بلا شك، وذلك بسبب طبيعتهم الشريرة التي تتجسَّد في المنافسة، وانعدام الثقة، والبحث عن المجد؛ هذه الأسباب الأساسية للصِدام بحسب هوبز تُولِّد عالم الحرب بين البشر، فالمنافسة تُولِّد الرغبة في الكسب، والتي تؤول -بالضرورة- إلى العنف، وانعدام الثقة بين البشر يُولِّد الرغبة في الأمن، ما يُترجَم إلى الدفاع عن النفس، والبحث عن المجد يُولِّد الحرص على السمعة، ما يُولِّد حساسية البشر تجاه أي شيء يُوجَّه نحوهم، وفي حالة الطبيعة تلك، الحالة الافتراضية، يفتك البشر ببعضهم، وبناءً على كل هذا سيكون الشكل الأفضل للدولة هو قيام نظام فوقهم يُخضعهم ويهيمن عليهم جميعًا دون استثناء.

أما روسو فيذهب إلى افتراضٍ مختلف ونتيجة مختلفة بالضرورة، ففي كتاب «العقد الاجتماعي» يفترض روسو الطبيعة الخيّرة للإنسان، وفي حالة الطبيعة المفترضة، لن يفتك البشر ببعضهم كما يفترض هوبز، بل على العكس، سيسعى البشر الأحرار إلى الخير العام؛ خيرهم جميعًا، الأمر الذي يُترجَم إلى ما يُطلق عليه (الإرادة العامة) وهي التي تبني العقد الاجتماعي، وبالتالي يقترح روسو شكلًا مختلفًا للدولة أو السلطة مبنيًّا على الحرية والمساواة، ويتجسَّد في الديمقراطية المباشرة كما في أثينا في عصور مجدها، فالبشر الأحرار الأخيار ستجسد إرادتهم العامة الخير العام، وهنا عوضًا عن كون «الإنسان ذئب أخيه الإنسان» كما يفترض هوبز، سيسعى كل إنسان إلى مصلحة نفسه، ما يُجسِّد في النهاية المصلحة العامة أو الخير العام.

هذه الأفكار المبدئية، والمتناقضة، هي التي رسمت الفلسفة السياسية في العصور الحديثة منذ الثورة الفرنسية والثورة الأمريكية وما تلاها، ورغم أن منطلقات جان جاك روسو هي التي تقود إلى قيام الأنظمة الديمقراطية، إلا أن مآل التاريخ قاد إلى دمج منطلقات هوبز مع نتائج روسو نظريًّا، فبصورةٍ ما، لا يتَّسع تفصيلها هنا، ومرتبطة بالنظام الاقتصادي الرأسمالي، بُنيت الدولة الحديثة على أسس فلسفات هوبز رغم ادِّعائها ديمقراطية روسو، وأصبحت قيم العالم الحديث الرأسمالي تمجد العنف والقسوة، والأنانية وانعدام الثقة بالآخرين، والفردانية، والتنافسية، القيم التي افترضها هوبز في حالة الطبيعة المتخيلة لبناء نظريته السياسية، ورسمت مسارات الفلسفة الرأسمالية الحديثة، وجسَّدتها السينما في أفلام نهاية العالم والديستوبيا باعتبارها الطبيعة البشرية المتجذِّرة، والتي تتجسَّد في حالات الكوارث القصوى والمجاعات وعالم ما بعد الحضارة.

نظرة واقعية أو عقائدية؟

إلا أن تصوير قيم العنف والقسوة، والأنانية، وانعدام الثقة، والفردانية، والتنافسية، على أنها هي الطبيعة البشرية، ليست إلا أيديولوجيا تُطرَح باعتبارها حقيقة علمية في إطار رأسمالي، فهذه القيم تُجسِّد طبيعة المجتمع الرأسمالي، لا قيم البشر، فالإنسان في سياق الحياة الرأسمالية الحديثة يضطر أو يحتاج إلى تبنّي هذه القيم للعيش، لا لأنها مُتأصِّلة في داخله، بل لأن طبيعة المجتمعات الرأسمالية تعمل بهذه الطريقة، فالإنسان الناجح في المنظومة الرأسمالية منزوع الرحمة، لا يعبأ بالآخرين، يرى كلَّ ما حوله منافَسةً يريد ربحها بأي ثمن، ولا يمكنه الثقة بأحد، فكل من حوله يتربَّص به وينتظر اللحظة المواتية للانقضاض عليه، وربما أبسط تجسيد كاريكاتوري لهذه القيم بصورتها التجارية يمكن قراءته في كتاب روبرت غرين «48 قانونًا للقوة» والذي تُرجِم إلى العربية بعنوان «قوانين الطبيعة البشرية» والذي أخرج نيقولا ميكافيلي صاحب كتاب «الأمير» من عالم السياسة وأنزله إلى عالم الحياة اليومية بين البشر بصورة مُقزِّزة!

يرى أستاذ علم النفس الكندي (جابور ماتيه) أن القيم المهيمنة اليوم، والتي يُنظر إليها على أنها الفطرة البشرية القائمة على الأنانية، والتنافسية، والعنف، ما هي إلا نظرة عقائدية أيديولوجية للبشر، تعكس الرؤية الرأسمالية للإنسان، فالإنسان اكتسب هذه الخصال ضمن هيمنة المجتمع الرأسمالي، ولا يمكن القول إن هذه الخصال فطرية في تكوينه، وهذا ما يُكرِّره أيضاً إريك فروم وزيجمونت باومان وغيرهم من نُقَّاد المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي.

مقاربات واقعية نوعًا ما

يمكن رؤية عوالم تشابه عوالم الديستوبيا أو عوالم نهاية العالم مُجسَّدة بيننا اليوم، تُدرَس في أعقاب الكوارث القصوى مثل الفيضانات والزلازل والحروب، إذ تنحسر سلطة الدولة والحضارة الحديثة، ويعود البشر إلى عالم يُشبه (حالة الطبيعة) الافتراضية في كتابات هوبز وروسو، أو تلك المجسَّدة في أفلام نهاية العالم السينمائية، ومن هذه الحالات القصوى التي يمكن دراستها بصورة دقيقة حياة اللاجئين؛ فلا يمكن القول إن حياة اللاجئين اليوم تُجسِّد الحياةَ خارج الحضارة أو القيم الرأسمالية، ولكنها تُجسِّد، بصورةٍ ما، انحسار سلطة الدول والقيم الرأسمالية على البشر، وتُظهِر الدراساتُ الاجتماعية التي تناولت مجتمعات اللجوء أن الشعور بالمصير المشترك بين البشر يجعلهم يُنسِّقون جهودهم لتحقيق أهدافهم المشتركة ودعم بعضهم بعضًا، الصورة التي تبدو أقرب إلى منطلقات روسو منها إلى هوبز، ومن هذه الدراسات دراسةُ (خليفة الفضلي) الدكتور في جامعة الملك سعود والمتخصِّص في علم النفس الاجتماعي، حول مجتمعات اللاجئين السوريين في الأردن، والتي تقترح وجود آليات دعم اجتماعي في مجتمعات اللاجئين، وهو سلوك متكرِّر في حالات الكوارث القصوى مثل الزلازل والفيضانات والحروب، فالكوارث تخلق تحديات مشتركة أو جمعية للإنسان، والتي بدورها تخلق رابطة بين البشر، وهويّة مُشتَركة، وشعورًا بالمصير المشترك، ما يُعزِّز في نهاية المطاف تعاون البشر ومساعدتهم لبعضهم حتى في الحالات القصوى؛ حالات نهاية العالم في الأفلام السينمائية، أو حالة الطبيعة المفترضة في نظريات العقد الاجتماعي.

بالعودة إلى صلب الموضوع في هذا السياق، نجد أن أفلام نهاية العالم والديستوبيا - حين تصوِّر عنف البشر وأنانيتهم وفتكهم ببعضهم في الحالات القصوى خارج الحضارة- ليست أفلامًا مُحايدة، بل نابعة من تأصُّل القيم الرأسمالية في المجتمعات الغربية، فهذه الرؤية ليست حقيقة علمية تُجسِّد طبيعة البشر، بل هي في نهاية المطاف رؤية عقائدية أيديولوجيّة وقيم رأسمالية تُفرض من خلال الأنظمة الاقتصادية والسياسية المعاصرة، وتتجلَّى من خلال الأدب والفن والإعلام، وتتجسَّد في بعض الأفلام السينمائية كما نرى؛ فالعالم يتَّجه اليوم إلى تجذُّر أكبر لانعدام المساواة والطبقية، وأصبحت الأسوار التي تفصل أحياء الأغنياء عن أحياء الفقراء أكثر ارتفاعًا، وتلك التي تفصل الدول الغنية عن الدول الفقيرة أكثر سماكة، ومدار الرسالة المجسَّدة هنا ألا تحزن على توسع التباينات الطبقية، ولا تعبأ بالمسحوقين، ففي النهاية سيفعل هذا الفقير المعدم بك ما تفعله به من تهميش وتجاهل لو كان في مكانك، كما يمكن ربط الموضوع بالاختلافات بين الدول من أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية وبقية العالم، وسياسات الهجرة والتعاطي مع قضايا اللاجئين.

ففي نهاية المطاف إذا كان «الإنسان ذئب أخيه الإنسان»، فلا أحد يريد أن يلعب دور الحَمَل في هذه المعادلة، فلا الطبقة الغنية في أوروبا الغربية وأمريكا مُلامة على تهميش المعدمين، ولا الدول الغنية مُلامة على تدمير الدول الفقيرة، بهذا المنظور الرأسمالي المؤدلج؛ الإنسان الحديث الصالح هو الإنسان الرأسمالي، والإنسان الرأسمالي عنيف، وفرداني، وأناني، ولا يثق بأحد، وفي سياق التنافس سيُدمِّر كل ما يقف في وجه حصوله على ما يريد، حتى لو كان العائق أمام طموحاته كوكب الأرض برمَّته، لا مجرد بشر ضعفاء ومهمَّشين بالكاد يجدون قوتهم في الضواحي المهمشة خارج الحضارة الرأسمالية المعاصرة.