شارك
للمخرج الإيطالي العظيم (فريدريكو فيلليني) عبارة ساحرة يقول فيها: «الذهاب إلى السينما أشبه بالعودة إلى الرحم، فأنت تجلس هناك ساكنًا متأملًا في الظلام تنتظر الحياة لتظهر على الشاشة».
التنوع غير المحدود للحكايات، الذي تَعِدُ به السينما، هو ما يجعلنا نعود إليها مِرارًا. بالمقابل هناك مخرجون انصرفوا عن هذه السعة، وعن تنوع حكاياتها، فضيَّقوا المساحات التي تتحرك فيها شخصياتهم؛ فأثقلوها بالقيود، مُؤْثِرين الانغماس في الواقعية الشديدة، مُستخدمين عدسات الكاميرات التي تلتصق بوجوه الشخصيات، لتجعلها تتحدث بلا انقطاع لما يقارب الساعتين، وهو ما يمكن أن نُسمّيه: «أفلام الغرفة الواحدة» . [1]
هذا النوع من الأفلام، من خلال خياراته الجريئة، وتضحياته بكل ما يجذبنا إلى السينما، لا يُقْدِم عليه إلا ذوو العزم من المبدعين. فمخرجو «الغرفة الواحدة» لا يُضحُّون بالتنوع المكاني فقط، بل هم بالتبعية يخسرون الامتداد الزمني للحكاية، الذي تمنحه الأفلام بسهولة، فالمخرج الذي يختار مكانًا ضيقًا يختار بالضرورة مساحة زمنية مطابقة لزمن فيلمه، مما يُلزمه رسم أقواس شخصياته بدقة شديدة، إذ ليس من السهل تبرير أي انزياحات ضخمة في مواقفها الأخلاقية، فلا توجد مساحة أو مجال زمني كي تنضج تجربةٌ ما وتُبرِّر التبدُّل الحاد في مواقف الأبطال . [2]
يُضحِّي المخرج أيضا بلغة الصورة، فمن أبجديات السينما أن ما تستطيع الصورة قوله لا يجب أن يُحكى، وذلك غير ممكن تمامًا في مساحة ضيّقة وخلفيَّة مُوحَّدة أو محدودة. ومن المزايا التي يتنازل عنها المخرج طوعًا الكثير من تحرُّكات الكاميرا المعبِّرة، سواءٌ بزواياها أو بضيقها أو باتساعها، وكذلك تركيزها والعمق الذي تنشده. الإضاءة أيضا مُقيَّدة، فلا مُبرّر لتغييرات كثيرة في مكان مُحدَّد وفي زمنٍ ضيِّق، أضف إلى ذلك التضحية بتنوع الأزياء.
والسؤال هنا: لِمَ يُلزِم المخرج نفسه بما لا يَلْزَم؟ هل من مكسبٍ ما يجعله يرمي أغلب عوامل الجذب في السينما؟
لقطة من فيلم «12 رجلًا غاضبًا - 1957» (12 Angry Men)
في فيلم «12 رجلًا غاضبًا - 1957» (12 Angry Men)، تحفة (سيدني لوميت)، يناقش المخرج نظام القضاء الأمريكي من خلال مداولات 12 مُحلَّفًا يبتُّون في مصير شاب مُتَّهَم بجريمة قتل. ومَن شاهد هذا الفيلم الرائع، لا يمكنه أن ينسى حجرة المحلَّفين المكتظة بهم. منذ المشهد الثالث يُحشَر المحلَّفون فيها حتى يتوصلوا إلى قرار، ولكي يزداد الموقف سوءًا، يتعطَّل المكيّف الوحيد في المكان! حياة مُعلَّقة بقرار يتخذه أفراد يتحرَّقون شوقًا لمغادرته. تظهر في نقاشاتهم انحيازاتهم الفكرية، وأثر تجاربهم الحياتية، وضغط شواغلهم الاجتماعية، ولولا تشكُّك محلّف وحيد لحُسم قرار الإدانة في لحظات.
لا يبدأ الفيلم بالغرفة مباشرةً، لكنه ينتقل إليها أسرع مما نتوقع لنقيم فيها أكثر مما نحتمل. ينفتح المشهد الأول بلقطةٍ على مروحة السقف، تنزل منها إلى رأس المتهم، فوجهه المتعرِّق، مع صوت القاضي وهو يتلو على المحلَّفين توجيهاته الأخيرة قبل أن ينعزلوا للمداولات. وعلى السلم الهابط (هبوطنا من الفكرة إلى الواقع) يتتابع الرجال نازعين معاطفهم من شدة الحَرِّ، وفي الحجرة يرصُّون طاولات صغيرة مختلفة الأشكال والارتفاعات لتبدو طاولة واحدة، تبتلع الحيز المكاني الأكبر في رمزية للعدالة المتأتية من اصطفاف المحلَّفين من مرجعيات ثقافية متنوعة لتحقيق الهدف. حين يبتُّ الرجال في القضية، نخرج من الغرفة في مشهد أخير، وكأن المخرج استخدم الخارج تأطيرًا للحدث: متى يبدأ ومتى ينتهي؟
لقطة من فيلم «المذبحة - 2011» (Carnage)
يحصل ذلك التأطير للحكاية أيضًا في فيلم «المذبحة - 2011» (Carnage)، حيث يبدأ أيضا بلقطة واحدة في الخارج ويختم بأخرى في الخارج، وكل ما بينهما من مشاهد سيقع داخل شقة زوجين في بروكلين. وفيلم المذبحة ليس فيلمًا دمويًّا كما يوحي اسمه، لكنه كما سنرى مذبحة للأسرار العائلية ولغرور الطبقة الوسطى العُليا وأخلاقها، وذلك حين تتواجه أسرتان للتفاهم بعد أن ضرب ولد الأسرة الأولى رفيقه من الأسرة الثانية ضربةً تسبَّبت في كسر سِنّه، وتتحول المحاولة الحضارية للتفاهم إلى انكشاف عدد من القيم المتضاربة. بعد التوصل إلى مصالحة بين الكبار (لا حضور للصغار هنا في المفاهمة) تخرج بنا الكاميرا إلى الخارج، لنجد الصغيرين اللذين تسبَّبا في المشكلة يلعبان معًا!
يختلف الأمر قليلًا في فيلم «الحبل - 1948» (Rope)، فتأتي البداية بلقطة لواجهة مبنى في حيٍّ راقٍ بنيويورك، مع أصوات المارة، ليحصرنا بعدها ألفريد هيتشكوك في شقة (براندون وفيليب)، دارسَيِ الفلسفة، اللذين يقتلان صديقهما ديفيد، في نزوة لا مبرر لها سوى الشعور الطاغي لدى براندون بالتفوق وقدرته على تنفيذ جريمة كاملة. في هذا الفيلم لن يُخرجنا هيتشكوك من الشقة في لقطة ختامية، ولو فعل لكانت سقطةً على الأرجح، فالرسالة هنا هي الانتقال من السعة إلى الضيق، فلا مَخْرج من الشقة إلا إلى نهاية مظلمة تنتظر المجرمين.
لقطة من فيلم «الغروب المحدود - 2011» (The Sunset Limited)
ويحدث الأمر نفسه في فيلم «الغروب المحدود - 2011» (The Sunset Limited)؛ حيث البداية بلقطةٍ في مترو الأنفاق يمنع فيها رجلٌ أسود رجلًا أبيض من الانتحار بإلقاء نفسه تحت عجلات القطار، ويسحبه معه إلى مسكنه الصغير ليقنعه بالعدول عن الفكرة. ولأن النهاية غير محسومة فلن نخرج من المسكن الضيق البائس. ومع وضوح رمزية اختيار الموقع (القطار المرتبط في الأذهان بقطار العمر)، ومن بين خطوط المترو يقع الاختيار على هذا الخط تحديدًا (The Sunset Limited) بما تثيره كلمة الغروب (The Sunset) في الذهن من شعور بالنهاية، كما أن قِصر لحظة الغروب يذكّر بقِصر إقامة الإنسان على الأرض.
هناك أيضًا «ثلاثية الشقة 1965 - 1976» (Apartment Trilogy) لبولانسكي، مع أنه لا يلتزم بالشقة، بل يخرج منها في مشاهد بينية، مما يمنح أحداثها فسحة زمنية ممتدة بشكل أكبر. حظيت الثلاثية بإشادةٍ بسبب استخدامه المتفرِّد للمكان، فمع أن البيت -بحسب باشلار- هو حارس أحلام اليقظة والمكان الحميم، لكن أبطاله ينتقلون لشققهم الجديدة لتتضخم مخاوفهم، وبدل أن يغطسوا في لذة أحلام اليقظة تطاردهم الهلوسات حتى تُودي بحياتهم! وهذا أمر قد لا نجده عند سواه.
لقطة من فيلم «اشتباك - 2016»
وفي العالم العربي، لعل أهم تجربة من نوعية أفلام الغرفة الواحدة، فيلم «اشتباك - 2016» لمحمد دياب، الذي يتناول أحداث 30 يونيو 2013، وما أعقبها من اضطرابٍ وانقسام. تدور أحداث الفيلم داخل عربة ترحيل تابعة للشرطة، حيث يُحشَر -بشكلٍ عشوائي- عددٌ من الموجودين في المكان، لتتشكَّل داخل العربة عيّنةٌ تمثيلية للمجتمع المصري، بمختلف فئاته العمرية وطبقاته الاجتماعية وتوجّهاته السياسية. يضع الفيلم هؤلاء جميعًا في حيّز مغلق، وسط فوضى الميدان الذي انتُزعوا منه، وأمام مستقبلٍ مجهول وأفقٍ مسدود، بحيث لا يبقى بينهم سوى خيار التعايش وقبول الآخر، بوصفه المسار الوحيد الممكن.
يُمكن الإشارة هنا إلى أن كثيرًا من أعمال هذه الفئة من الأفلام (أفلام الغرفة الواحدة) هي أقرب أشكال السينما للمسرح، بل إن بعضها ظهر أولًا كمسرحية، ثم أعيد إنتاجه ليكون فيلمًا سينمائيًّا. والأمثلة على ذلك عديدة، منها فيلمان مما ذكرنا سابقًا: «12 رجلًا غاضبًا»، و«المذبحة». ومنها أيضًا فيلم «الحوت - 2022» (The Whale)، المأخوذ من مسرحية بذات العنوان للكاتب (صامويل دي هانتر).
تُعدُّ المهارات الإخراجية التي تتحدَّى ثبات المكان من أهم الأمور التي تحتاجها هذه الأفلام لتنجح، وذلك حتى لا يسقط الفيلم في الرتابة البصرية. لكن مهمة الصور في الفيلم أكبر، فالقاعدة تقول إن أي جملة حوارية يمكن الاستعاضة عنها بصورة يجب ألا تُقال، إلا أن المغامرة التي يقترفها مخرجو أفلام كهذه تستوجب أن يتضخم الحوار، ليملأ الحيّز الذي أحدثه تقلُّص الخلفيات أولًا، ثم ليقوم مقام الفعل الدرامي. لكن يجب الحرص على أن تكون العبارات في هذه الأفلام أدبية بامتياز، حتى لا تسقط في مستنقع الثرثرة والتكرار. فكما يقول النفَّري: «كلما اتّسعت الرؤية ضاقت العبارة».
الأمر الآخر أن هذه الأفلام لا يحملها إلا ممثلون ذوو قدرات تعبيرية مميزة، وبراعة أداء، تُبهرنا تعابير وجوههم ونبرات أصواتهم وحركات أجسادهم التي تملأ الشاشة طوال الوقت.
في النهاية، اختيار المكان الضيق في السينما ليس خيارًا تقنيًّا بحتًا، بل شجاعة إبداعية، فالتضحية بالمكان والزمان تجعل الفيلم مراجعة لحظية لكل قيم الفرد، لنحظى نحن المشاهدين بالانغماس الجبري في الحالة، بأعمال ذات كثافة درامية، وبالتوتر في مواجهة الواقعية القهرية والحصار، وبالتورط مع أبطالنا في لحظات مصيرية وهم على وشك اتخاذ قرارات حاسمة، وعلينا أن نتأهب لمشاهدة كهذه كي لا نخرج منها كما دخلناها. فـ«لدينا مسؤولية، هذه ليست لعبة، نحن نتحدث عن الحياة هنا».
المراجع
[1] تُسمى أيضًا Chamber Films.
[2] استثنيت من القائمة أعمال الرعب والإثارة التي ينحصر فيها الأبطال وتكون الرحلة كاملة عن السعي لخروج مادي.
