عودة

الدوكيودراما بين التوثيق والتخييل، محاولة سينمائية للإمساك باللحظة العابرة


د. هند السليمان

02/01/2026

عند التخوم المموّهة بين الحقيقة والخيال، وفي المسافة المتوترة بين السرد التاريخي والمعالجة الفنية، تنبثق (الدوكيودراما Docudrama) كفنٍّ مُلتبس، عصيٍّ على التصنيف، آخذٍ في الترسخ ضمن المشهد البصري المعاصر. فهي ليست وثائقياً خالصاً يخضع لشروط التوثيق الصارمة، ولا دراما متحررة تسبح في فضاءات الخيال المحض؛ بل هي وقوف دقيق عند نقطة تماسّ يلتقي فيها التوثيق بالتأويل، والحقيقة بالتمثيل. وفي عالمٍ باتت فيه الحدود بين الواقعي والمُمَثَّل أكثر هشاشة من أي وقت مضى، خاصةً مع تصاعد التنافس بين الأشكال البصرية على صناعة الأثر، تتقدّم الدوكيودراما بوصفها صيغة سينمائية تبحث عن الحقيقة لا كما جرت أحداثها وحسب، بل كما يمكن أن تُروى وتُستعاد في الذاكرة الجمعية. إنها ليست استنساخاً فوتوغرافياً للواقع، ولا محض تمثيل مسرحي، وإنما إعادة بناء للحظة الواقعية بروح فنية، تُسخِّر أدوات التخييل لتكثيف أثر الصدق وتوسيع مجاله الشعوري (Paget, 1998; Rosenthal, 1999).

هذا المقال يذهب إلى تفكيك الوظيفة الجمالية والثقافية لهذه الصيغة البصرية، مُمعناً في قراءة إمكاناتها لتغذية التجربة السينمائية السعودية، سواء من حيث الموضوعات القابلة للمعالجة، أو أنماط الجمهور المستهدف، أو دورها في توطين السرد البصري ضمن بيئة ثقافية محلية.

تتحرك الدوكيودراما في فضاء تتقاطع فيه صرامة التوثيق مع حرية التخييل، لتخلق صيغة بصرية تجمع بين ثقل الحقيقة ورهافة الدراما. فهي تمزج الأحداث والشخصيات المستمدة من الواقع مع أدوات الفيلم الروائي؛ أداء تمثيلي محكوم بسيناريو مكتوب، ومشاهد مصممة بعناية، وإيقاع سردي مشحون بالتوتر والبعد الإنساني. ما يميزها أنها تحافظ على مرجعيتها الواقعية، لكنها تعيد صياغتها بوسائل فنية تكثف الأثر وتوسع أفق التلقي، لتوصل «الحقيقة» لا كما جرت فحسب، بل كما يمكن أن تُروى وتُستعاد في الذاكرة البصرية. ولعل أشهر النماذج المعاصرة لهذا الشكل فيلم The Social Network (2010) الذي يعيد بناء حكاية نشأة «فيسبوك» في معالجة درامية تعتمد وقائع موثقة، وكذلك فيلم United 93 (2006) الذي يستحضر أحداث إحدى طائرات 11 سبتمبر بصيغة تمثيلية مشبعة بواقعية صارمة وإحساس سردي يلامس الوجدان (Rosenthal, 1999).

لقطة من فيلم United 93 (2006) – بول جرينجراس

أمَّا وظيفة الدوكيودراما الأعمق فتكمن في إعادة صياغة الواقع في صورة عاطفية نابضة، لا تكتفي بتسجيل ما جرى، بل تعيدنا إلى اللحظة كما عاشت في وجدان أبطالها، بكل ما حملته من نبض وانفعال. هي لا تسرد الحدث كواقعة محايدة، بل تحقنه بإيقاع إنساني يحوّل المُشاهد من مُتلقٍّ سلبيٍّ إلى طرف عاطفي فاعل، فتُذيب الفاصل بين الوثيقة الجامدة والفعل الدرامي الحي (Paget, 1998). وبينما يقف الوثائقي عند مسافة تحفظ برودة المعلومة، تغامر الدوكيودراما بالتورط الكامل، مستحضرة السياق التاريخي ضمن بنية جمالية تثير الحواس وتستنهض الذاكرة. إنها استجابة لحاجة معاصرة لجمهور يريد الحقيقة، لكنه يطلب أن يشعر بها قبل أن يعرفها. وحين نتابع عملاً يستحضر كارثة ما أو سيرة شخصية وطنية أو لحظة مفصلية، فإننا لا نبحث فقط عن الوقائع، بل عن معناها وقيمتها، وعن الأسئلة الأخلاقية والاجتماعية التي تفيض منها. بهذا المعنى، تتحول الدوكيودراما إلى مساحة للتأمل والمساءلة، حيث يُعاد الحدث لا كما سُجّل فحسب، بل كما عِيش واستُشعر، ليولد ما يمكن تسميته بـ«الوثيقة الشعورية» (Rosenthal, 1999) التي تدمج المشاعر بالمعرفة. في هذا الامتزاج، يصبح الجمهور شريكاً في التجربة، باحثاً عن سردية تمنح للحقائق بعداً رمزياً وقيمياً، متجاوزة التوثيق المحض نحو إنتاج المعنى.

رغم انطلاق كلٍّ من الفيلم الوثائقي والدوكيودراما من التربة ذاتها، أي من وقائع حقيقية ومواد واقعية، فإن مساراتهما الإبداعية تتفرع لتكشف عن روحين مختلفتين. الوثائقي، في جوهره، يسعى إلى الإمساك بالواقع كما هو، معتمداً أدوات «اللا تدخل»؛ من مقابلات وصور أرشيفية وتسجيلات حيَّة، إلى توثيق مباشر للأحداث، محافظاً على مسافة تجعل المخرج أقرب إلى الباحث أو الشاهد الذي يُقدِّم الحقيقة في صورتها الخام دون إعادة تمثيلها (Nichols, 2017). أما الدوكيودراما، فتمارس دور المؤلف الذي يعيد تمثيل الوقائع الحقيقية بأسلوب درامي، مستعيناً بالممثلين والحوار المؤلَّف والمشاهد المصممة بعناية، لتتحول «الحقيقة» إلى بنية سردية قابلة للتأويل، مُحمّلة ببعد عاطفي ورمزي (Paget, 1998; Rosenthal, 1999). من هنا، بينما يُنظر إلى الوثائقي بوصفه «مصدراً معرفياً» يوثّق ويُقنع، تُقدَّر الدوكيودراما كـ«وسيط فني» يزاوج بين الوعي والتجربة، يستهدف جمهوراً يبحث عن الحقيقة، لكن في صيغة تمنحها نبضاً شعورياً، وتجعلها تجربة مُعاشة لا مجرد معلومة محفوظة. بعبارة أخرى، اللغة البصرية في الدوكيودراما تستعير جماليات السينما الروائية: الإضاءة الموحية، الموسيقى المشحونة بالدلالات، التقطيع الإيقاعي، والزوايا الإخراجية التي تُحفِّز الانفعال، بما يجعل الدوكيودراما لا تكتفي بالسرد لنقل الحدث، بل بنسجه في بنية رمزية تستحضر البعد الإنساني بما يستثير الحواس، مُتبنّية أدوات السينما الروائية في إعادة تشكيل الزمن وإيقاعه. من هنا، فإذا كان الوثائقي يُنظر إليه كمرجع معلوماتي قائم على الموضوعية، فإن الدوكيودراما تقترب من العمل الفني الذي لا يكتفي بأن يروي الحقيقة، بل يقدّم «رؤية» لها، محمّلة بالرمز والانفعال، لتجعل من الواقع تجربة شعورية وجمالية في آن. لعل السؤال الذي تطرحه هذه المقارنة ليس أيّهما أصدق أو أعمق، بل متى نحتاج برودة التوثيق وصرامته، ومتى نحتاج حرارة التخييل ودهشته. فكلاهما يروي؛ أحدهما يثبت الحجة، والآخر يوقظ الحواس.

وإذا كان هذا الفارق واضحاً، فإن المقارنة مع أفلامالسيرة الذاتية Biopics تكشف عن طبقة أخرى منالتمايز. فالدوكيودراما وفيلم السيرة الذاتية يستندانإلى وقائع وشخصيات حقيقية، لكن الثاني يميل إلىرسم خط زمني شامل لمسار حياة الشخصية، منذالنشأة وحتى المحطات الكبرى، مع حرية في إعادةترتيب أو حذف أحداث لتلبية متطلبات الحبكة الدرامية(Custen, 1992). أمَّا الدوكيودراما، فتركّز غالباً علىحدث مفصلي أو لحظة زمنية مكثفة، تسعى إلى إعادةخلقها بكل تفاصيلها الشعورية والرمزية، دون الانشغالبسرد السيرة الكاملة. وبهذا المعنى، يمكن القول إنأفلام السيرة الذاتية تروي «حياة إنسان»، بينما تحاولالدوكيودراما أن تمسك بـ«حياة لحظة»؛ لحظة لا تزالنابضة في الذاكرة الجمعية. 

يبقى السؤال األكثر إثارة للجدل في النقاش حول الدوكيودراما هو: ما إذا كانت تمثل الحقيقة كما هي، أم أنها انعكاس لرؤية المخرج وانحيازاته الجمالية والفكرية؟ فمن ظاهرها، تبدو وفية للواقع، تستند إلى أحداث تاريخية وشخصيات حقيقية وسياقات موثقة، لكنها في عمقها ال تنفصل عن بصمة الصانع الذي ال يكتفي بالنقل، بل يعيد الترتيب والبناء وفق حسه الفني، ووعيه االجتماعي، وموقفه من الموضوع. هنا، تتحول المادة األصلية إلى عمل » ُمعاد ُمخيّلة جنباً بناؤه« ال » ُمس َّجل« إلى جنب مع الدقة ؛ حيث تعمل الذاكرة، والتأويل، وال قيل حرفيا،ً بل كما يُفترض أنه قيل، والمشهد ال يُصَّو التوثيقية. الحوار ال يُستعاد كما ر كما وقع تماما Bruzzi, 2006)، فإن ،ً بل كما يُراد له أن يُفهم. وكما تشير ستيال برو ّزي ) الدوكيودراما ال تُخفي خيالها، بل توظفه أداةً إلعادة صياغة الواقع بطريقة أكثر حضوراً . إنها ليست توثيقاً خاماً وتأثيرا وال خياالً منفلتا،ً بل صيغة ثالثة تقع في المسافة الحرجة بين ً ٍّ ال يهدف إلى تزييفها، بل إلى تكثيفها وإضفاء االثنين، حيث يتم تمثيل الحقيقة عبر خيال واع طبقة رمزية وجمالية عليها. ورغم استنادها إلى وقائع حقيقية، فإنها ال تتنصل من تدخل َم المخرج ووجهة نظره؛ فالحوار شاهد تُعاد صياغتها، والمونتاج يُنتقى بعناية يُكتب، وال يعيد خلق الواقع، لتقوده من فنياً الستثارة مشاعر بعينها. بذلك، تغدو الدوكيودراما شكالً حدود التسجيل البارد إلى فضاء الحكاية الحيّة، حيث يصبح إدراك الجمهور للحدث أعمق بفضل تداخل الحقيقة مع التأويل.

تخدم الدوكيودراما صناعة السينما حين تُن َجز بوعي فني وأخالقي، فهي تمنح السينمائيين مادة ثرية جاهزة من حيث المحتوى، قادرة على إعادة رواية التاريخ والشخصيات المحلية بلغة بصرية نابضة، وتتيح للصناعة أن تتفاعل مع قضايا الهوية والتحوالت االجتماعية من منظور إبداعي حي. غير أن هذه الجاهزية ال تُغني عن مهارة عالية في البناء السردي، واإلخراج، والمونتاج، ألن أي انحراف فيها ال يقتصر على خطأ جمالي فقط، بل قد يمتد بالقيم األخالقية. بهذا المعنى، يمكن للدوكيودراما أن تساهم أو إخالالً ليصبح خلالً معرفياً عياً في تشكيل جمهور أكثر و بالسرد الواقعي، وأن تجعل من السينما وسيلة تعليمية وجمالية ِّ زة ما يمكن تسميته بـ في آن، ُمعّز »المصداقية اإلبداعية« التي ترفع من فرص العمل في في ظل اهتمام عالمي متناٍّم المهرجانات، وتزيد من جاذبيته في أسواق التوزيع، خصوصاً باألعمال المستوحاة من الواقع )Rosenthal, 1999).

لكن هذه القوة مزدوجة، فكما أن بإمكانها أن تفتح أفقاً رحباً أمام بناء سرديات وطنية أو إعادة تمثيل لحظاتمفصلية في الذاكرة الجمعية، يمكن أن تتحول، إذاأُسيء استخدامها، إلى أداة دعائية أو مُشوِّهةٍ للحقيقة، تفرض رؤية أحادية وتُسيّس الحدث. وهنا يتضح أنأثر الدوكيودراما لا يقتصر على الصناعة بوصفهانشاطاً اقتصادياً وإبداعياً، بل يمتد إلى تشكيل الوعيالثقافي والاجتماعي؛ فهي قادرة على ترسيخ صورةمعينة للتاريخ أو على إعادة مساءلته، وعلى تعزيز قيمالحوار والانفتاح أو تكريس الانحياز والتبسيط. لذلكتظل الحاجة قائمة إلى ميثاق أخلاقي واضح، وإلىتوازن دقيق بين التمثيل الفني والمرجعية الواقعية. ففيأفضل صورها، تُمكّن الدوكيودراما السينما منالتفاعل الخلاق مع التاريخ والهوية والتحولاتالاجتماعية، دون أن تنزلق إلى الجفاف التعليمي أوالابتذال التجاري. وفي أسوأ حالاتها، تصبح سيفاً ذاحدّين، تنجرف نحو التبسيط أو التضليل إذا غابتالنزاهة البحثية أو طغت النوايا الترويجية على البعدالتوثيقي. وهكذا، تظل الدوكيودراما وسيطاً مثالياً لطرحالقضايا الواقعية في إطار سينمائي جاذب، لكنها تظلأيضاً فناً مشروطاً بحرفية عالية وبمسؤولية فكرية تجاهالحقيقة التي تستند إليها.

الدوكيودراما في المشهد العربي، والسعودي على وجهالخصوص لا تزال مجالاً بِكراً لم يُستثمَر كما ينبغي، إذ انحصرت غالباً في الأطر التلفزيونية والتعليميةوالدعائية، بينما تملك طاقة كامنة لتحويل القصصالمُهمَّشة إلى أعمال بصرية نابضة. ومع صعودالمنصات الرقمية والانفتاح على سرديات الهوية والتاريخالمحلي، تتبدَّى الدوكيودراما كأداة قادرة على استعادةالحكايات غير المروية، وإعادة تمثيل التحولاتالاجتماعية، والسير الذاتية، واللحظات التاريخية الفارقةبلغة حديثة تجمع الوثيقة بالخيال، والحقيقة بالفن. وفيالسينما السعودية، يمكن لهذا الشكل أن يكون جسراً بين الماضي والحاضر، وأن يربط الأجيال الجديدةبسردياتهم التاريخية والوجدانية من خلال معالجةبصرية جذابة وراهنة. ومع هذا، من المهم النظر إلىبعض التجارب العربية الراسخة، والتي في مقدمتهاتجربة المخرج السوري الراحل حاتم علي، الذي قدّممن خلال أعماله التاريخية رؤية دوكيودرامية خاصة، تمزج الدقة التوثيقية بالحس الدرامي العميق، كما فيصلاح الدين الأيوبي (2001) وعمر (2012)، وأعمالأخرى عديدة، استطاع عبر معالجاته البصرية والنصيةأن يجعل من التاريخ مادة حيّة تلامس وجدانالمشاهد، وتبقى مؤثرة في الذاكرة الثقافية، مُبرهناً علىقدرة الدوكيودراما على تجاوز حدود الترفيه إلى فضاءالتثقيف والإلهام، وصناعة خطاب بصري يجمع بينالأصالة والجاذبية.

المخرج السوري حاتم علي

التجربة السعودية لا تزال في بداياتها، مع محاولاتلبعض المخرجين السعوديين للاقتراب من هذه الروح، كما في محاولات استعادة التاريخ المحلي أو استلهامالذاكرة الشعبية في أعمال روائية تتكئ على عناصرتوثيقية. ومن شأن استلهام منهجية حاتم علي – منحيث الموازنة بين البحث التاريخي العميق والبناءالدرامي المؤثر – أن يفتح الباب أمام إنتاج سعوديقادر على مخاطبة جمهوره المحلي والعربي والعالميمعاً، مع الحفاظ على خصوصية الهوية المحلية. حيثتكمن القيمة الفنية والثقافية للدوكيودراما السعودية فيقدرتها على تقديم التاريخ المحلي المهمَّش، سواء عبرإبراز سير شخصيات رائدة في التعليم والعملالاجتماعي والمجال الثقافي، أو عبر استعادة قضايااجتماعية محورية مثل بدايات التعليم، بعض من تاريخشركة أرامكو، أو التحولات التي شهدتها أوضاع المرأةفي العقود الأخيرة، أو استحضار وقائع من التاريخالقريب كقصص المدن الصغيرة قبل الطفرة الاقتصادية، أو الكشف عن الكواليس غير المروية لتأسيس مؤسساتفكرية وإعلامية، وروايات الأمكنة من الحجاز ونجدوالأحساء من منظور شخصي. وقد يتنوع جمهور هذاالنمط بين الجيل الجديد الساعي لفهم ماضيه بلغةمعاصرة، والنُّخب الثقافية المهتمة بإعادة قراءة التاريخ، والجمهور العالمي الذي ينجذب للأعمال الكاشفة عنالهوية من الداخل. أما وظيفتها في السياق السعوديفهي مزدوجة: فنياً، تخلق سرديات سينمائية ذاتخصوصية محلية وهوية مميزة، وثقافياً، تحفظ الذاكرةالجمعية وتستعيد ما غاب عن التوثيق الرسمي، وتعيدطرح الأسئلة حول المهمش والمنسي. إنها مساحةوسطى بين الترفيه والبحث، بين الرواية الذاتية والحدثالعام، قادرة على أن تكون رافداً أساسياً في بناء سردسعودي سينمائي متماسك، عميق، وغير تقليدي، وجسراً بين الأجيال لاستعادة القصص التي لم تجد بعدطريقها إلى الشاشة. إضافة لهذا، يمكن النظر إلىالدوكيودراما بوصفها أداة فاعلة للتجريب السينمائي، لاسيّما بالنسبة للمخرجين الناشئين، لما تتسم به منانخفاض في تكاليف الإنتاج مقارنة بالأفلام الروائيةالكبرى، فضلاً عن وضوح بنيتها وتأطيرها السردي، ممايجعلها بيئة محفزة للتطوير المهني والفني.

وختاماً، الدوكيودراما ليست مجرد تصنيف فرعي فيخرائط السرد البصري، بل هي فضاء إبداعي يتقاطعفيه التوثيق مع التخييل ليصنع شكلاً معاصراً منأشكال الوعي الجمعي، وأداة لإنتاج معرفة إنسانيةدقيقة ومتعددة المستويات. وحين تُستثمر بذكاءوحساسية في السياق السعودي، فإنها تمتلك القدرةعلى أن تصبح أحد أعمدة الخطاب السينمائي المحلي، فناً يقف عند تخوم الذاكرة والمستقبل، ويستحضرالماضي لا بوصفه أرشيفاً جامداً، بل كمادة حيّة تُعادصياغتها لتواكب نبض الحاضر. فهي تحاول أن تقولالحقيقة، ولكن بصوت يُحسّ قبل أن يُسجَّل، وتقدّمالواقع في هيئة حكاية تمنح المشاهد فرصة للمعايشةوالتأمل في آن. وإذا ما أُحسن توظيفها، يمكنللدوكيودراما أن تكون مرآة للوعي الجمعي، وجسراً نابضاً يصل بين الواقع والفن، وبين السينما والحياة، حافظةً بذلك للتجربة الإنسانية بقدر ما تبتكر طرائقجديدة لروايتها (Bruzzi, 2006).

المراجع
- Stella, B. (2000). New Documentary: A Critical Introduction. London-New York, (s 41), 56-57.
- Custen, G. (1992). Bio/Pics: How Hollywood Constructed Public History. Rutgers University Press.
- Nichols, B. (2017). Introduction to Documentary (3rd ed.). Indiana University Press.
- Paget, D. (1998). No Other Way to Tell It: Dramadoc/docudrama on Television. Manchester University Press.
- Rosenthal, A. (Ed.). (1999). Why Docudrama? Fact-Fiction on Film and TV. Southern Illinois University Press