عودة

«اللي باقي منك» سرد سينمائي للتجربة الفلسطينية عبر ثلاثة أجيال


فواز العدواني

22/12/2025

ضمن أفلام المنافسة الرسمية لمهرجان البحر الأحمر في دورته الخامسة (2025)، وتحديدًا في ثاني أيام المهرجان الموافق (5 ديسمبر 2025)، تطرح المخرجة (شيرين دعيبس) في فيلمها الروائي الثالث معالجة سردية تمتدُّ على مدى خمسة وسبعين عامًا، وتعتمد على قصة عائلة فلسطينية واحدة بوصفها نموذجًا يقوم على الربط بين التجارب الفردية والحدث السياسي الأكبر، بحيث يُصبح السرد العائلي أداةً لتتبع التحولات التي طرأت على المجتمع الفلسطيني عبر ثلاثة أجيال متعاقبة. ويستند البناء الدرامي إلى حركة زمنية تتأرجح بين الذكريات والصورة المعاصرة، ما يجعل الفيلم يحاول أن يعرض التطور التاريخي ليس عبر الأحداث الكبرى فقط، بل من خلال أثرها على العلاقات اليومية والممارسات العائلية. وفي هذا الإطار، يتخذ الفيلم موقعًا يتعامل مع الصدمة المتوارثة باعتبارها عنصرًا بنائيًا في الهوية الفلسطينية الحديثة.

من النكبة إلى النشوء تحت الاحتلال
يبدأ الفيلم من مرحلة النكبة عام (1948)، عبر قصة الجد شريف وعائلته، مُسلِّطًا الضوء على لحظة التحول التي انتقل فيها الفلسطينيون من حالة الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي إلى حالة التهجير وفقدان الأرض. يُركِّز العمل على تفاصيل الحياة قبل التهجير: منزل واسع في يافا، بيارة مزروعة بالحمضيات، عادات يومية مستقرة... إلخ، ليؤكد طبيعة الحياة التي انقطعت فجأة. ثم يتابع أحداث التهجير القسري وتدمير البنية المادية التي اعتمدت عليها الأسرة، وهو ما يمثل جزءًا من السياق التاريخي العام لفقدان ما يقارب 750 ألف فلسطيني منازلهم خلال تلك المرحلة.

بعد ذلك ينتقل الفيلم إلى المخيم، حيث تُعلَن ملكية الأسرة «غير صالحة» من قبل السلطات الجديدة، ما يعكس واقعًا تاريخيًّا واسع الانتشار يتعلق بإسقاط الوثائق وعدم الاعتراف القانوني بالأرصدة العقارية. ويُقدِّم الفيلم هذا التحول لا بوصفه حدثًا منفصلًا، بل كمقدمة لسلسلة من التغييرات التي ستعيد تشكيل العلاقات العائلية، وأنماط العمل، والروابط الاجتماعية التي عرفتها تلك الأجيال. وهكذا يضع الفيلم أساسًا لسرد يتناول كيف يتحول فقدان المكان إلى فقدان للثقة والاستقرار، وكيف ينتقل هذا الشعور إلى الجيل التالي.


لقطة من فيلم «اللي باقي منك (2025)»

الحياة اليومية في الضفة الغربية
في لحظة الانتقال إلى سبعينيات القرن العشرين، يُركِّز الفيلم على المرحلة التي استقرَّت فيها الأسرة في الضفة الغربية، حيث تتجسَّد تبعات الاحتلال في تفاصيل الحياة اليومية من خلال مشاهد تُظهر شوارع مكتظة، ومنازل ضيقة، وحظر تجوال متكرر. يُبرِز العمل في هذا الجزء كيف تتشكل الحياة في ظروف تحدُّ من الحركة وتؤثر على الروتين اليومي. كما يستعرض الممارسات الاجتماعية، مثل: الأعراس، والمناسبات الدينية، والتجمعات العائلية التي بقيت كركيزة للحفاظ على الهوية الثقافية والاجتماعية.

هذا التركيز على الحياة اليومية يُقدِّم صورة عن الاستمرارية رغم تقلب الظروف. إذ يظهر أن التمسك بالعادات ليس مجرد طقس اجتماعي، بل شكلًا من أشكال المقاومة الثقافية التي تحافظ على الترابط العائلي. وفي المقابل، يعرض الفيلم اللحظات التي تتدخل فيها السلطة العسكرية في الحياة اليومية. ومن أبرز هذه اللحظات حادثة توقيف سليم وابنه نور على الحاجز، حيث تُظهر المشاهد كيف تُترجم سلطات الاحتلال سياساتها عبر الممارسات المباشرة على الأفراد.

إن ما يجعل هذه الحادثة مركزية في صناعة العمل الفني، هو أنها تتحول إلى مشهد يومي ضاغط، فمثلًا حين تستحيل رحلة قصيرة لجلب الدواء إلى لحظة مفصلية في تشكيل وعي الجيل الأصغر، فهي بذلك تعرض الطريقة التي يُدرك بها الطفل كنه الأشياء الكبيرة، مثل: السلطة، والقوة، والخوف، ومعنى الكرامة، وكيف يمكن لمشهد واحد أن يؤثر على مسار حياة كاملة. بهذا المعنى، تُستخدم تفاصيل الحياة اليومية لرصد الطريقة التي ينتقل فيها إرث الصدمة من جيل إلى آخر.


لقطة من فيلم «اللي باقي منك (2025)»

الانتفاضة الأولى وتبعات الصراع
في مرحلة الانتفاضة الأولى عام (1988)، يعرض لنا الفيلم بيئة سياسية واجتماعية شديدة التوتر، حيث تتداخل الاحتجاجات الشعبية مع السياسات الأمنية المشددة. يتناول الفيلم في هذه الأثناء مشاركة الشباب في الاحتجاجات، باعتبارها ردًا على سنوات طويلة من القمع، كما يبين كيفية تفاعل المجتمع مع هذه اللحظات المفصلية، سواء على المستوى العائلي أو المجتمعي.

إصابة نور خلال إحدى المظاهرات تُمثِّل نقطة تحول في السرد، إذ تُظهر الكيفية التي يمكن بها أن تتحول المشاركة السياسية إلى مأساة شخصية. يتناول الفيلم بعدها تبعات الإصابة من زوايا متعددة: البيروقراطية، العناية الطبية، تأثير الحادثة على الأسرة، والتساؤلات الأخلاقية الناتجة عن الوضع. وتُقدّم هذه المرحلة باعتبارها امتدادًا طبيعيًا لتراكم الضغوط التي مرت بها الأسرة منذ النكبة، حيث يتداخل التاريخ السياسي العام مع تفاصيل الحياة الفردية.

يتوقف الفيلم عند مسألة التبرع بالأعضاء، فبعدما يتضح مصير نور الصحي يطرح هذا القرار تعقيدًا أخلاقيًا مربكًا، إذ يضع الأسرة ضمن سياق سياسي حساس، ويختبر تصوراتها عن معنى الإنسانية، والمسؤولية، والانتماء. ويجعل الفيلم هذا النقاش جزءًا من سياقه التحليلي العام حول كيفية اتخاذ القرارات المصيرية تحت ظرف لا ينفصل فيه الإنساني عن السياسي.


لقطة من فيلم «اللي باقي منك (2025)»

الصدمة عبر الأجيال والسؤال الأخلاقي
على امتداد السرد، يظهر أن الصدمة ليست حدثًا لحظيًا بل بنية مستمرة تتداخل مع كل مرحلة من مراحل حياة الأسرة. فالجد فقد المكان والهوية المكانية، والابن عاش حالة التعايش القسري مع الاحتلال، أما نور فاختبر المواجهة المباشرة والنتائج التي قد تتبعها. تُظهر هذه السلسلة من التجارب كيف يتحول الألم الجماعي إلى أنماط سلوكية وإلى مواقف شخصية تجاه العالم.

كما يركز الفيلم على كيفية انتقال هذه الصدمة عبر الحوار والممارسة والتجارب اليومية، وليس عبر الأحداث الكبرى وحدها. ففي الجدال بين الأجيال حول معنى التمسك بالذاكرة أو ضرورة التكيف، يبرز اختلاف في التصورات بين من عاش النكبة ومن ولد بعدها. وتظهر هذه التوترات كما لو أنها انعكاس لاختلاف طرق فهم الهوية والكرامة والمقاومة، وكيف يعاد تشكيل هذه المفاهيم في كل مرحلة تاريخية. ويرتبط بذلك السؤال الأخلاقي الذي يرافق الفيلم منذ بدايته: كيف يوازن الأفراد بين الالتزام بالمبادئ الإنسانية والواقع السياسي؟ وكيف يُتَرجم مفهوم الحفاظ على الحياة في بيئة تتجه فيها الظروف نحو الصراع والاستقطاب؟ يعرض الفيلم هذه الأسئلة كجزء من التجربة الفلسطينية الحديثة، حيث يتفاعل التاريخ الشخصي مع التاريخ العام في سبيل تشكيل الموقف الأخلاقي.


لقطة من فيلم «اللي باقي منك (2025)»

الختام والعودة إلى الحاضر
ويعود الفيلم في نهايته إلى الإطار السردي الأول، حيث تتحدث حنان عن ابنها ضمن سياق معاصر يكشف عن طبيعة المستمع أو المخاطب وعن محاولته لربط الماضي بالحاضر عبر تأكيد استمرارية الذاكرة، فالتجربة العائلية على الرغم من خصوصيتها تمثِّل جزءًا من بنية اجتماعية أوسع تسعى إلى حفظ الهوية والتاريخ الثقافي. يعيد هذا الإطار التأكيد على الفكرة المركزية: أن الصدمة ليست نهاية، بل عنصرًا يُعاد تفسيره مع كل جيل. وتُشكِّل العودة إلى الحاضر تذكيرًا بأن التجربة التي عاشتها الأسرة ما زالت قائمة، وأن أثرها يمتد إلى العلاقات والقرارات وحتى السرد ذاته.


لقطة من فيلم «اللي باقي منك (2025)»

يُقدِّم الفيلم سردًا متشابكًا ومعقدًا يجمع بين التاريخ العائلي والتاريخ السياسي، ويتناول أثر الصدمات المتوارثة على الهوية الفلسطينية بعمق يتجاوز الحدث المباشر. من خلال الانتقال بين ثلاثة أجيال، يُسلِّط العمل الضوء على الثبات والتغيير، وعلى تداخل الحياة اليومية مع الظروف السياسية القاهرة، وعلى التعقيدات الأخلاقية التي تنشأ عندما تصبح القرارات الشخصية جزءًا من سياق عام شديد الاضطراب.


المخرجة (شيرين دعيبس) - جدة - مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي

إطلالة الفيلم الأولى للجمهور كانت في يناير (2025)، في مهرجان ساندانس الأمريكي. ومن المنصف تواجده في مهرجان البحر الأحمر السينمائي مع الجمهور العربي، فالتعاطي الجماهيري في هذه البيئة تحول من كونه فنيًّا إلى عاطفي، يُناقش قضية مسموعة ومرئية على صعيد يومي في التلفزيون وعلى صفحات الجرائد. يتضح ذلك جليًا لدى عرضه الأول في مهرجان البحر الأحمر السينمائي، حيث نفدت جميع التذاكر، وكان طابور الانتظار طويلًا وجميلًا إلى الحد الذي يدخل البهجة والسرور على القلب. البعض منهم كان على دراية بمسيرة شيرين دعيبس، والبعض لديه فضول شديد لمشاهدة قصة فلسطينية أصيلة تتكلم عن عائلة فلسطينية عانت وتأثرت حياتها اليومية على مدار أكثر من نصف قرن من الاحتلال، أما النوع الآخر فسمع ردة فعل جميلة حظي بها الفيلم مؤخرًا في جولته حول المهرجانات العالمية. ولعل كل ذلك برَّر التأثر الكبير على الجمهور العربي الذي شاهد الفيلم. اعتلت شيرين دعيبس المسرحَ بعد عرض الفيلم وتحدثت إلى الجمهور الذي كان غالبيته من الجنسيات العربية، وحرصت على الإجابة على جميع تساؤلاتهم بشأن الفيلم، وعن التحديات التي واجهتها في خلق أماكن تصوير مشابهة لفلسطين بسبب صعوبة التصوير في وطنها. وعن مُحرِّك الشغف لديها، والذي لا يعترف بكلمة «مستحيل» أبدًا.