عودة

البحر الأحمر.. سينما تُمسك بالمعنى قراءة في الدورة الخامسة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي (2025)


إيمان الخطاف

22/12/2025

كما يقول فيلليني: «في السينما الحقيقية، كل تفصيلة وكل ضوء يحملان معنى».. قدَّمت الدورة الخامسة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي برنامجًا يُعامل التفاصيل الصغيرة بوصفها مفاتيح للفهم؛ من عروض الأفلام، إلى الجلسات الحوارية، إلى التجارب السينمائية المُختارة، بما جعلنا نلاحظ كيف يُمنح المعنى وقتًا أطول كي يتشكّل، حيث طُبعت هذه الدورة بنبرة واثقة، تُمسك بإيقاعها ولا تستعجله، وكأن المهرجان بلغ مرحلة لا يحتاج فيها إلى إثبات حضوره بقدر ما يحتاج إلى تثبيت رؤيته.


مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي – جدة التاريخية

نرى في هذه الدورة مهرجانًا يقترب من تقاليد برلين ولوكارنو، حيث تتحول البرمجة إلى رؤية تُفكّر في السينما بقدر ما تعرضها، ويُبنى الإيقاع على التراكم والتأمل، بما يمنح التجربة السينمائية مساحة أوسع للتفاعل والقراءة.

من الافتتاح وحتى حفل الختام، جمعت هذه الدورة ما هو أكثر من كثافة العروض أو تنوّع جنسيات المشاركين، مع إحساسٍ خفيٍّ بأن كل شيء موضوع في مكانه بدقة؛ من الأفلام، والجلسات الحوارية، والجوائز، وحتى طريقة الحركة داخل المهرجان، كلها بدت محكومة بفكرة واحدة وهي البحث عن المعنى، والتعامل مع السينما بعمق أكبر؛ مقارنة بالدورات السابقة.

أفلام تتقاطع مع الإنسان
عند تأمل أفلام المسابقة الطويلة، نلاحظ أنها تتحاور على مستوى أعمق من الحكاية، صحيح أنه ليس ثمة موضوع جامع بالمعنى التقليدي، لكن ثمة حالة مشتركة تتناول الإنسان في لحظة اختبار: اختبار الذاكرة، أو الانتماء، أو الفقد، أو العزلة، دون استعانة بخطاب شارح أو حلول جاهزة، فالسينما هنا لا تقدم إجابات، بل تضع المشاهد داخل التجربة، وتتركه يواجه ثقله الخاص. ونشاهد في هذا التوجه ما يضع الأفلام في حوار غير مباشر مع تصور أندريه تاركوفسكي للسينما بوصفها "نحتًا في الزمن"، حيث تُشكل التجربة من التراكم، وتُبنى العلاقة مع الصورة عبر الإحساس الممتد.


المخرجة الفلسطينية شيرين دعيبس

في فيلم «اللي باقي منك» للمخرجة (شيرين دعيبس) تتحول الذاكرة من مادة استرجاع إلى حالة معيشة، فالماضي -بعد النكبة عام 1948- لا يظهر بوصفه حدثًا مغلقًا، بل كأثر يتسرّب إلى الحاضر ويمر بعدة أجيال فلسطينية قبل أن يُعاد تشكيله، والفيلم هنا يُراكم إحساسًا بالتيه الهادئ، حيث تصبح الهوية سؤالًا مفتوحًا لا يمكن حسمه.. هذا الاشتغال الصبور على الداخل أعطى للفيلم ثقله، وجعل فوزه بـ«جائزة اليُسر الفضية لأفضل فيلم طويل» يبدو امتدادًا طبيعيًا لمساره.

في المقابل، ذهب «أرض ضائعة» للمخرج الياباني (أكيو فوجيموتو)، الفائز بـ«جائزة اليُسر الذهبية لأفضل فيلم طويل»، إلى الضياع بوصفه حالة وجودية مكتملة.. فالكاميرا لا تلاحق الشخصيات ولا تفسّر دوافعها، بل تراقبها من مسافة محسوبة، تتيح للفراغ أن يكون جزءًا من المعنى. بما يذكرنا بسينما التأمل الآسيوية، حيث يتحوّل الصمت إلى لغة قائمة بذاتها، في تقاطع مع تجارب ياسوجيرو أوزو التي منحت التفاصيل اليومية وزنًا شعوريًا عميقًا. والإيقاع البطيء هنا ليس نقصًا، بل ضرورة لبناء عالم لا يُفهم إلا بالتراكم.

ويكتسب «أرض ضائعة» أهمية إضافية كونه من أوائل الأفلام الروائية التي تُقدَّم باللغة الروهنجية في المهرجان، في تجربة توسّع الأفق السمعبصري لجمهور المهرجان.

"يونان".. عوالم الغربة
في هذه الدورة، كان الأداء التمثيلي أشبه بكتابة ثانية للنصوص، وهو ما بدا جليًا في فوز الممثل اللبناني (جورج خبّاز) بـ«جائزة أفضل ممثل» عن دوره في فيلم «يونان»، الذي قدَّم فيه شخصية البطل «منير»، وتناول الشتات والغربة والبحث عن الذات بعد ضياع، في فيلم لا يتعامل مع غربة الوطن فحسب، بل مع غربة الذات وصراع الهويّة، وجسَّد خبّاز هذا المزيج باحترافية عالية، دون اللجوء إلى انفعالات مبالغ بها أو خطاب مباشر، ليأتي فوزه أشبه بتكريم لمسيرة طويلة من العطاء الفني.


الممثل اللبناني جورج خبّاز
وهذا الخيار ينسجم مع إخراج الفيلم نفسه، الذي منح المخرج اللبناني/الألماني (أمير فخر الدين) جائزة «أفضل مخرج» عن فيلم «يونان»، إذ استخدم المساحات الصامتة بذكاء، وأوصل إحساس كسر الأمان ومواجهة الاغتراب في جزيرة نائية اختارها لتكون المسرح الرئيسي لأحداث فيلمه، وهو ما أضفى بصمة خاصة على الفيلم، في معالجة تقدم العزلة بوصفها بنية درامية لا خلفية مكانية فقط.

السيناريو الأفضل.. محمّل بالصدق
ويعود السيناريو إلى موقعه الطبيعي بوصفه عمودًا فقريًّا للتجربة السينمائية، عبر فوز فيلم «نجوم الأمل والألم» للمخرج اللبناني (سيريل عريس) بجائزة «أفضل سيناريو»، وهو نص يبني إيقاع الفيلم من الداخل، لاستنطاق الصدق من أعمق نقطة، ويترك للشخصيات مساحةً لتقول ما لا تستطيع قوله مباشرة، في قصة حب تجري أحداثها في بيروت، بين صديقَي الطفولة «نينو» و«ياسمينا»، اللذين فرقتهما الحياة قبل أن يلتقيا مجددًا في مرحلة لاحقة.

السينما السعودية.. تتويج «هجرة»
على مستوى السينما السعودية، شكّل فيلم «هجرة» للمخرجة السعودية (شهد أمين) حالةً واضحةً لتقدُّم مسار الصناعة؛ فجمع بين تقدير لجنة التحكيم، من خلال فوزه بـ«جائزة اليُسر من لجنة التحكيم»، وبين تفاعل الجمهور الذي منحه «جائزة أفضل فيلم سعودي»، وهو الفيلم الذي سيُمثّل المملكة في سباق الأوسكار 2026، ويسير على نهج أعمال شهد أمين التي تتقاطع مع السرد النسوي في معالجة قصص المرأة بعمق.


المخرجة السعودية شهد أمين
ويأتي "هجرة" ضمن ما يُعرف بـ"سينما الطريق"، حيث تتحوّل الرحلة إلى بنية سردية تكشف التحوّلات النفسية للشخصيات، وهو ما يضع الفيلم في تماس مع أعمال عالمية جعلت الطريق مساحة لاختبار الذاكرة والانتماء، مع خصوصية محلية تستمد سرديتها من سياق رحلة الحج.

وخلال المهرجان، شهد «هجرة» إقبالًا جماهيريًا كبيرًا حيث بيعت تذاكر الفيلم بالكامل، فرغم عروضه الثلاثة ضمن برنامج المهرجان؛ إلا أنها لم تكن كافية. في حين حرصت (شهد) في هذا العمل على تناول الرحلة من منظور نساء من عدة أجيال، ما بين الطفلة والشابة والجدة، وأظهرت واقعية العلاقة الإنسانية بينهن، بعيدًا عن الحوارات المطولة والتعابير المبالغ فيها؛ فبرزت لغة العيون والإيماءات بشكل أكبر في أداء كل شخصية، كما أظهرت تفاصيل ما يحدث حول رحلة الحج ذاتها، والشخصيات الهامشية التي تعيش على بيع السبح وماء زمزم وتوصيل الحجاج، والطقوس التي تعصف بالمكان في تلك الفترة الغنيّة بالقصص والأحداث.

الوثائقي.. رحلة تأمل
وفي فئة الفيلم الوثائقي، جاء فوز «في-آي: في الحركة» للنجمة الفرنسية جولييت بينوش بـ«جائزة الشرق لأفضل وثائقي» تأكيدًا على انفتاح المهرجان على أعمال من خارج المساحات المتعارف عليها، فالفيلم الذي يُعدُّ أول الأعمال الإخراجية لبينوش يكشف جانبًا جديدًا من مسيرتها؛ من خلال الوثائقي الذي تسرد فيه تعاونها الطويل مع الراقص ومصمم الرقصات البريطاني أكرم خان، في عمل يقترب من السينما بوصفها أثرًا جسديًا ونفسيًا، وكذلك ذاكرة مشتركة.


النجمة الفرنسية جولييت بينوش
عرض خاص.. وصوت لا يُنسى
خارج المسابقة، شكّل العرض الخاص لفيلم «صوت هند رجب» للمخرجة التونسية (كوثر بن هنية) واحدةً من أكثر لحظات الدورة كثافة، فالفيلم، الذي يتناول واقعة إنسانية صادمة ومكثّفة، اختار أن يشتغل على الصوت بوصفه أثرًا أخيرًا، وعلى العجز وقلة الحيلة في محاولات إنقاذ طفلة مسكينة باعتبارهما من أشد حالات القهر الإنساني.


من فيلم «صوت هند رجب»
وكان التفاعل مع الفيلم استثنائيًا؛ إذ قوبل العرض بأطول وصلة تصفيق شهدها المهرجان، تجاوزت أربع دقائق، ولم يكن التصفيق احتفاليًّا بقدر ما كان اعترافًا بثقل التجربة.. فكوثر بن هنية، التي راكمت حضورًا عالميًا عبر أعمال تمسك بالخيط الدقيق بين الشخصي والسياسي، أكدت في هذا الفيلم مرة أخرى قدرتها على تحويل الواقعة الفردية إلى سؤال إنساني مفتوح، متّسق تمامًا مع مزاج الدورة كلها.

المعنى خارج الشاشة
أمَّا الجلسات الحوارية مع النجوم العالميين، فقد كانت فاكهة المهرجان، وتوابله الشيقة، حيث بدت في هذه الدورة امتدادًا طبيعيًا لروح الأفلام، من ذلك قول الأسطورة (أنتوني هوبكنز): «حياتي تجاوزت ما توقعته!». هوبكنز لم يستعرض ستة عقود من النجاح، بل أعاد النظر فيها من موقع الدهشة، من على خشبة مسرح البحر الأحمر، ففي حديثه أعاد أفلامه، من «The Silence of the Lambs» إلى «The Father»؛ إلى سياقها الإنساني، بعيدًا عن جائزتَي الأوسكار اللتين نالهما عن هذين الفيلمين.

في حين تحدث المخرج الأمريكي (دارن أرنوفسكي) عن زاوية الكاميرا بوصفها اختيارًا نفسيًّا وفلسفيًّا، ولم يكن من خلال حديثه يُنظِّر على الجمهور، بل يشرح جوهر سينماه، من «Black Swan» وصولًا إلى باقي روائعه، حيث دخل بهدوء إلى القاعة، وعرَّف بنفسه للجمهور بثقة: «هاي أنا دارن أرنوفسكي!».. واسترسل في الحديث عن تقنياته ورؤيته السينمائية، بما جعل الجلسة أشبه بماستر كلاس مُركَّز.

أما النجم (أدريان برودي)، فذهب مباشرةً إلى هشاشة المهنة نفسها. فمن خلال جلسته الحوارية تحدث بشفافية عن إرهاق التمثيل، وعن الأثر الطويل لبعض الأدوار، وأعاد «The Pianist» إلى موقعه الحقيقي باعتباره تجربة إنسانية ثقيلة، لا محطة جوائز.. وبهذه الجلسات الحوارية الممتدة والمتنوعة، تواطأت الحوارات مع العروض داخل المهرجان لتثبيت القيمة نفسها، من خلال سينما تمسك بالمعنى، سواء كان ذلك على الشاشة أو على المنصة.

سباق اللحظة
وعند قراءة كل ما حدث في الدورة الخامسة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، فإن الإمساك بالمعنى لم يكن فنيًّا فقط، بل انعكاسًا على تجربة الحضور نفسها؛ فهذه الدورة بدت أكثر تنظيمًا وسلاسة في توزيع الأماكن والتجربة بشكل عام، من حيث وضوح مواقع العروض والجلسات والفعاليات، والمسافات المدروسة، مما خفّف من الإرباك الذي يرافق عادةً المهرجانات الكبرى.

كذلك لعب التطبيق الإلكتروني دورًا محوريًّا في هذه السلاسة؛ عبر تحديثات فورية، وإشعارات مباشرة بأي تغيير، وإحساس عام بأن التجربة مصممة لتُعاش بهدوء، رغم أن سباق الحصول على تذكرة من التطبيق كان الأكثر صعوبة، وذلك مع اشتداد التنافس على تذاكر العروض التي تصدم الكثيرين بعبارة (Sold Out)، إلا أن هذا يعكس النجاح الجماهيري على أي حال، وإقبال الجمهور هو نقطة قوة في أي مهرجان سينمائي.

احتفاء بسيرة ممتدة
بدا التوجه نحو الاحتفاء أكثر وضوحًا في اختيار المكرَّمين خلال حفل ختام الدورة، إذ اتَّجه المهرجان إلى شخصيات تشكّل مسيرتها قراءة ممتدة للفعل السينمائي، فتكريم (أنتوني هوبكنز) بما يحمله من حضور إنساني يُعاد اكتشافه في كل مرحلة من حياته المهنية، وتكريم (دارن أرونوفسكي) الذي بنى لغة بصرية تتعامل مع القلق والهوية بوصفهما محركين أساسيين للكاميرا، ثم تكريم (إدريس إلبا) بما يُمثّله من انتقال بين عوالم فنية متعددة دون فقدان جذره الدرامي؛ كل ذلك بدا مُتّسقًا مع روح هذه الدورة التي احتفت بالفن بوصفه تراكمًا لا لحظة منفصلة. أما تكريم المخرجة (عهد كامل)، فشكّل إشارة واضحة إلى التحولات التي تعيشها السينما السعودية، وإلى حضور صانعاتها في صياغة مستقبل الفن السابع.


النجم العالمي السير أنتوني هوبكنز
بهذا المعنى، لم تكن الدورة الخامسة مجرد موسم عروض وجوائز، بل اختبارًا ميدانيًا لجدّية المهرجان في إعادة تعريف موقعه ومكانته.. دورةٌ جاءت لتقول، بهدوء وثبات، إن السينما التي تستحق أن تُروى وتُكتب وتُشاهد، هي تلك التي تُمسك بالمعنى، وتُعيد الإنسان إلى مركز التجربة، حيث بدا المهرجان في هذه الدورة أقرب إلى فضاء تفكير وتأمل، ومساحة تُختبر فيها قدرة الفن على النفاذ، وعلى مُلامسة ما هو أبعد من الشاشة.