شارك
«اليهود أصبحوا مادة الخيالي، والفلسطينيون مادة الوثائقي». هكذا قال جان لوك جودار ذات مرة، واصفًا الصراع بين السرديتين اليهودية والفلسطينية. الأولى تجري في الماضي، وقد تحولت لمادة للأفلام الروائية الخيالية، فيما تجري الثانية في الحاضر، وتتحول كل يوم إلى مادة للوثائقي. والعبارة ذات الدلالات المتعددة، على طريقة جودار، إنما تشير أيضًا إلى واقع ممتد منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث ارتبطت أفلام المحرقة اليهودية بالسينما الروائية الخيالية، فيما تشغل المسألة الفلسطينية مساحات متزايدة دومًا من فضاء السينما والبرامج الوثائقية.
بقايا الزمن الضائع
جودار، الذي رحل عن عالمنا في العام الماضي عن عمر يتجاوز التسعين، هو واحد من السينمائيين الكبار المعدودين الذين ناصروا القضية الفلسطينية بقوة وصراحة، على مدار حياته كلها، دون أن يخشى أو يتراجع أمام حملات التشويه والكراهية التي تبثها ماكينة الدعاية الصهيونية ضد كل من يكشف وجهها القبيح. جودار هو أيضًا واحد من أوائل السينمائيين العالميين الذين توجهوا إلى مخيمات ومعسكرات الفدائيين لرصد ما عرف باسم «الثورة الفلسطينية» التي انطلقت في نهاية ستينيات القرن الماضي. وصنع واحدًا من أوائل الأفلام غير العربية التي صنعت عن القضية الفلسطينية. يحمل الفيلم عنوان «هنا وهناك» Ici et Ailleures، من إنتاج 1976، وإن كان تصويره قد جرى قبل ذلك بسنوات. زمن عرضه 55 دقيقة، وقد قام جودار بصنعه مع مديرة التصوير ورفيقته السياسية آن- ماري ميفيل، التي صارت زوجته أيضًا بعد ذلك. ورغم ما يقرب من خمسين عامًا على صناعة هذا الفيلم، فإنّه لم يزل يحتفظ بقيمته الفنية، وأهمية مضمونه الذي لا يرصد فحسب فترة تاريخية مفصلية من نضال الشعب الفلسطيني، ولكنه يطرح أسئلة وملاحظات لم تزل تنطبق اليوم، مثلما كانت تنطبق منذ نصف قرن!
من النصر إلى الشك
من الصعب تصنيف فيلم «هنا والآن». إنه أقرب إلى الفيلم الوثائقي، ولكنه بالتأكيد ليس عملًا وثائقيًّا. يمكن القول إنه ينتمي لنوع الوثائقي التجريبي أو لما يعرف بـ«المقال الفيلمي» film essay التحليلي. يبدأ الفيلم بالعبارة التالية تتردد على الشاشة عدة مرات: «في 1970 كان اسم هذا الفيلم "حتى النصر". في 1974 أصبح اسمه "هنا، وهناك"». بعد ذلك نرى قائدًا في أحد مخيمات اللاجئين يشرح للمنضمين الصغار سبب قيام الثورة الفلسطينية، ثم نستمع لامرأة تقول إن واحدة من أهم نتائج هذه الثورة هي انضمام المرأة الفلسطينية إلى صفوفها، لكي تقوم بواجبها على الوجه الأكمل بجانب الرجل الفلسطيني. هذا الخط يمثل «النص الأصلي» الذي كان ينبغي أن يكون عليه فيلم «حتى النصر». ولكن هنا يصبح مجرد نص ثانوي، يتداخل مع نصين آخرين: الأول هو أسرة فرنسية مكونة من زوج وزوجة وابنتين يجلسون في غرفة المعيشة يشاهدون التليفزيون. ويبدو أحيانًا كأنهم يتفرجون على الثورة الفلسطينية أو على المونتاج الموازي المصحوب بالتعليق الصوتي لجودار وشريكته في صنع الفيلم.
تفكيك السينما والإعلام
يوجه الفيلم انتقادات مبطنة للتليفزيون الذي كان اختراعًا حديثًا وقتها، وللفرجة السلبية التي يوفرها، من خلال الأسرة التي تشاهد الصور المبثوثة بلا مبالاة غالبًا، وقليل من الاهتمام أحيانًا، حيث تجرف الصور المتتالية بعضها بعضًا دون أن تترك ذكرى أو أثرًا يذكر. حين نفكر في وسائل الاتصال الحديثة الآن، وما تفعله من ضخ هائل لا يتوقف للصور المسطحة، يبدو تليفزيون السبعينيات طفلًا بريئًا جميلًا مقارنة بالوحوش الجدد! يقارن الفيلم بين «هنا»، الثورة والمخيمات والمعاناة والقتل على المشاع، وبين «هناك»، حيث الفرجة الآمنة، للبُرجوازية الغارقة في همومها الذاتية الصغيرة، والأسيرة للنظام الرأسمالي سواء من خلال وسائل مثل التليفزيون الذي يبث أجندته السياسية، أو من خلال إلهاء البحث عن «أكل العيش»، حيث نرى رب الأسرة يعاني البطالة، مثل ملايين غيره، ويتشاجر مع زوجته التي ترى أنه لا يبحث بشكل كافٍ عن عمل. من ناحية ثانية يوجه «هنا، وهناك» نقدًا للوسيط السينمائي، حتى الأفلام التي تدعي أنها «وثائقية»، و«ثورية»، و«تنويرية»، وذلك من خلال تعرية التلاعب الذي يمكن لهذه الأفلام أن تفعله، التلاعب الذي قام به صانع الفيلم نفسه، حين كان يصور حياة الفدائيين قبل عدة سنوات..قبل أن يصاب جودار بصدمة الواقع التي دفعته إلى إعادة النظر في كل شيء.
نقطة فاصلة
يمثل «هنا وهناك» نقطة فاصلة في مسيرة جودار السينمائية. بعد عدد من الأفلام السياسية الميليشية (إذا جاز التعبير) بدأت بـ«الجندي الصغير»، 1963، الذي يناصر ثورة الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي، التي كانت في أوجها آنذاك (تعرَّض الفيلم للمنع في فرنسا لأكثر من عامين بسبب مضمونه)، ثم تواصلت عبر «صنع في الولايات المتحدة» 1966، و«الصينية» 1967، ثم بشكل أكثر «منهجية» من خلال تأسيس جماعة «دزيجا فيرتوف» اليسارية، التي صنع من خلالها عدة أعمال مثل «كلهم بخير» 1972، والتي انفرط عقدها مع صدمة ما حدث في أثناء وبعد تصوير «حتى النصر»، الذي أصبح «هنا، وهناك». كان المفروض أن يكون «حتى النصر» واحدًا من أفلام جماعة «فيرتوف»، ولكن ما حدث عقب انتهاء التصوير وعودة جودار وفريق العمل إلى فرنسا، هو تصاعد المواجهات بين الفدائيين الفلسطينيين في الأردن والنظام الأردني، ما أدى إلى مذبحة سبتمبر الأسود، التي راح ضحيتها مئات من الفدائيين، منهم الذين ظهروا في مشروع فيلم «حتى النصر». كان من الطبيعي أن يعيد جودار النظر في الأمور، وإدراك أن أفلام الحماس الثوري والدعاية السياسية ساذجة في مواجهة الواقع المر، وأنه لا يحتاج فقط إلى زيادة وعيه السياسي، وإنما أيضًا إلى زيادة وعيه بالوسيط السينمائي ودوره. يكتب جودار في هذه المرحلة: «علينا أن نكف عن عمل أفلام عن السياسة، وأن نكف عن عمل أفلام سياسية. ينبغي علينا أن نصنع أفلامًا سياسية بطريقة سياسية». يحمل الفيلم بذورَ ما طوره جودار في أفلام «سياسية» لاحقة، حيث تغلب الأسئلة على الإجابات، والتفكيك على التركيب، والهدم على البناء.
عندما عُرِض الفيلم تعرَّض لانتقادات شديدة، ليس من اليمين الرجعي كالعادة مع أفلامه السابقة، ولكن من اليسار نفسه، وكان أكثر من هاجم الفيلمَ الناقدُ والمؤرخ الفرنسي جي هانيبال الذي كتب:
«"هنا وهناك" هو ببساطة فيلم غبي ولا نفع له، بالرغم من أن بعض الأصدقاء من صناع الأفلام أحبوه، لا أعلم لماذا. بالنسبة لي شخصيًّا، أعتقد أن جودار ليس لديه الحق في أن يصنع فيلمًا مثل هذا، عن قضية مهمة وجادة مثل الثورة الفلسطينية، التي استشهد في سبيل الكفاح من أجلها رجال ونساء كثر». (كتاب «فلسطين في السينما» تأليف وليد شميط وجي هانيبال- دار نشر فايار، 1977). إن مشاهدة الفيلم اليوم، بعد نصف قرن من تطور الفن السينمائي وما آلت إليه الثورة الفلسطينية من خطوات وعثرات ومذابح مستمرة، وما آلت إليه الوسائط الإعلامية من مزيد من الاستقطاب والتحيز وتراجع الموضوعية والإنسانية.. ما آل إليه الـ«هنا»، وما آل إليه الـ«هناك»، يُبيِّن كم كان جودار محقًّا في نظرته المتشائمة الحزينة إلى المستقبل!
