شارك
جان ترويل مخرج ومصور ومونتير سينمائي سويدي، تجاوز العقد التاسع بعامين (ولد سنة 1931)، وما زال يعمل من بيته في مقاطعة سكونه جنوب السويد التي لم يغادرها إلا لمامًا، ويحلم بالكاميرا التي لم يتوقف عن حملها منذ أن كان في السادسة من عمره. يمكن القول دون مبالغة إنه ولد، وهي معلقة على ذراعه، ولم يخنها لحظة، أو يتخلَّى عنها، فقد صوَّر معظم أفلامه بنفسه في وقت لاحق منذ أن عمل مع بو بودربرغ سنة 1961، كما أدار التصوير في مواقع كثيرة لمخرجين آخرين.
المثير في مشوار جان ترويل السينمائي يكمُن في الواقع في الأفلام القليلة التي أخرجها مقارنة بعمره الطويل نسبيًّا، فهو قد عمل على 20 فيلمًا روائيًّا طويلًا، ومجموعة من الأفلام القصيرة والوثائقية، ولم يتوقف إطلاقًا عن شغفه بالتصوير الفوتوغرافي، وغالبًا ما ظهرت بعض هذه الصور في أفلام له، بل إن الكاميرا نفسها قد تتحوَّل إلى محور فيلم روائي طويل كامل كما في فيلمه البديع الذي لا يُنسى «لحظات ماريا لارسون الأبدية» 2008. فماريا لارسون (لعبت دورها ماريا هيسكانن) التي فازت بكاميرا في اليانصيب الوطني مطلع القرن العشرين، وتعيش مع زوج عنيف وسكير وعاطل عن العمل تقريبًا (لعب دوره ميكائيل بيرسبراندت)، وعائلة مؤلفة من عدة أطفال تلتقي بالمصور الفوتوغرافي الدنماركي (لعب دوره ياسبر كريستنسن) عندما قصدته أساسًا من أجل أن ترهن الكاميرا عنده، بعد أن تجاهلتها فترة طويلة، لكن حياتها سوف تتغيَّر من هذه اللحظة بالذات. لقد بدا واضحًا لها أن آلة التصوير يمكن أن تكون أداة صالحة في رهن الزمن، والمشاعر أيضًا التي يمكن أن تنتج عن ذلك عندما تقرر أن تبدأ التصوير بها مقتطفات بصرية من حياتها.
بهذا المعنى، يمكن القول إنّ جان ترويل هو شاعر الملحمة الغنائية السويدية المقل لأسباب أخلاقية بحتة، فقد عُرف عنه زهده في البحث عن تمويل أفلامه، والخضوع لإملاءات المنتجين التي لا تنتهي، لا بل إنه رفض عروضًا أمريكية هوليودية مستمرة، ولم يتوقف عندها بعد تجربتين، لأنها كانت أقل بكثير من طموحه الفني الذي كان يرنو إليه طوال حياته.
بحث جان ترويل في أفلامه العشرين عن مسلكية فنية غنائية مختلفة عن معظم المخرجين السويديين، وقاده دأبه المشرَّع على روايات ملحمية سويدية، كما هو الحال مع رواية «المهاجرون» بجزأيها الصادرين في 1949 و 1952 للروائي السويدي الكبير فيلهلم موبيرغ، وقد ظهرت في فيلمين روائيين طويلين تباعًا في 1971 و1972. الأول حمل العنوان الأصلي للرواية، فيما جاء الفيلم الثاني بعنوان «الأرض الجديدة»، وفيهما يتتبع حياة الهجرة واللجوء القاسية التي عاناها سويديون القرن التاسع عشر حين بدأت رحلاتهم إلى الولايات المتحدة منذ 1850 وحتى مطلع القرن العشرين، وهي أكبر موجات هجرة جماعية قام بها السويديون هربًا من المجاعة الهائلة التي ضربت البلاد في تلك الآونة.
لقد عانى جان ترويل مع هذين الفيلمين بسبب النزعة الملحمية الكبيرة التي تخللتهما. ولأن فيلهلم موبيرغ نفسه يحتل مكانة مرموقة في وجدان السويديين خصوصًا، والإسكندينافيين عمومًا؛ إذ إن أي أفلمة لرواياته، سوف تستدعي تلك المقاربات التي لا ترحم، وفي المقام الثاني كان مؤلمًا لترويل أن يُقبل على اختراع البيئة الصالحة والمقنعة في تشكيل الجزء الثاني، حيث أن التصوير قد تم على الأراضي السويدية التي كان يجب أن تتشبه عمليًا بأراضي نورث كارولينا الأميركية، عندما حطت الرحال بعائلة كارل أوسكار (لعب دوره الممثل الكبير ماكس فون سيدو) وكريستينا (لعبت دورها الممثلة الكبيرة ليف أولمان). أيًا كانت الاستقبالات الفاترة في حينه للفيلمين في السويد، بسبب من تلك المقاربات مع النص الأدبي، إلا أن فوزه بجوائز، وترشيحات لخمس أوسكارات من خارج السويد، غيَّرت مع الوقت من الكثير من آراء نقدية مسبقة، وجعلت بحق من جان ترويل شاعرًا غنائيًا للملحمة السويدية الكبرى التي دفعت بمليون سويدي من أصل خمسة ملايين هم تعداد سكان البلاد في تلك الحقبة العاصفة إلى البحث عن منافذ حياتية أخرى في بلاد جديدة، وقد قضت أعداد كبيرة منهم في مياه المحيط، أو تعرَّضت للإقصاء والتهميش في بلدان الجوار، وبخاصة الدنمارك، الجارة التاريخية اللدودة. واكتفى جان ترويل من ملحمتيه السينمائيتين بعمل فيلمين أمريكيين خالصين في عامي 1974 و 1979، وقد توقف عندهما، لأنه شعر أن المزودة الأمريكية عادة ما تمتص المواهب القادمة من الخارج، وتذروها بالتدريج مع رياح الشروط القاسية التي تُلزمهم بها.
لقد أسس جان ترويل لتيار رومانسي واقعي أيضًا في السينما السويدية، بالرغم من أنه لم يتوقف عن تصوير الشروط الصعبة والقاسية في المجتمع السويدي الجديد في وقت أخذت تطور فيه هذه السينما من ثيماتها الأساسية، كتيار سياسي عقلاني طغى على نتاجات مخرجين سويديين كُثر، وها هو ينطلق في مشواره الفني والسينمائي كمصور احترافي بالفعل منذ سنة 1963، حين رافق المخرج السويدي بو ويدربرغ في فيلمه «عربة الطفل»، وقد خلَّف بصمة سينماتوغرافية واضحة عليه بالرغم من ثيمته الاجتماعية المستفزة في ذلك الوقت، وهذه البصمة الإبداعية سوف تظهر فيما بعد في أفلامه هو، ولن يتخلَّى عنها حتى في أفلامه القصيرة، والوثائقية، التي ما انفك على العمل عليها بدأب، وهذا قد تحوَّل في بعض الأحيان –بحسب بعض النقَّاد المغالين في أحكامهم- إلى مآخذ على أعماله، إذ ما انفك يظهر بمظهر المراهق المهووس بالكاميرا، وتقنياتها التي كانت تغيّب عنه مهمته كمخرج؛ يجب ألا يكتفي بمراقبة ما يدور أمامه من مصوب الكاميرا وحدها.
في فيلمه الوثائقي «أرض الأحلام» 1988، يقف جان ترويل على مدى أكثر من ثلاث ساعات، وهي مدة الفيلم، وعمل امتدَّ على مدار خمس سنوات، في مواجهة السويد التي ترنو بكل جوارحها إلى بناء مجتمع مثالي من الناحية المادية، ولكنها في الوقت نفسه على وشك أن تفقد روحها. كان يتلمس في الواقع أفق التطور المادي لمجتمع الرفاهية وذبول الأرواح في ثنائيات وأضداد معارك البناء: الإقصاء والمجتمع، الحياة والموت، تأملات الحياة اليومية بين المناطق الضعيفة والمهاجرين غير المرغوب فيهم والحضارة.
«أرض الأحلام» كان فيلمًا سياسيًّا، ولكن ليس بمعنى الالتزام السياسي الحزبي. إنه متفوق على نفسه في دولة أصبح فيها النظام والكفاءة أكثر أهمية من الإبداع والفرح، وهو ليس مُوجَّهًا في نقده إلى دولة واحدة. لا يبدو الأمر كذلك، فهو موجَّه إلى الحضارة الغربية عمومًا، وليس أدلَّ على الجدل الذي أثاره هذا الفيلم من عروضه التي امتدت جماهيريًّا في بعض الأماكن لأكثر من عامين. لقد التقى لأول مرة كما قال ناقد سويدي بارز: الراوي الواقعي بالشاعر الغنائي البصري. وقد أحدث بحق من حوله كل هذه الجلبة. جان ترويل هو شاعر الملاحم الغنائية السويدية بامتياز!
