عودة

مَن يشاهد السينما السعودية؟


عبد الله العقيبي

21/08/2024

تمر السينما السعودية في هذا الوقت -الذي تتسارع فيه وتيرة إنتاجها، وتتباين مستوياتها الفنية- بعدد من الأسئلة الجوهرية، لعل أهمها، السؤال الذي عنونتُ به المقالة: «مَن يشاهد السينما السعودية؟»، أو بصياغة أخرى: «مَن جمهورها؟»، فهناك تصارع حقيقي ومؤثر، بل وسريع جدًّا، ينشط إثر صدور كل عمل سينمائي سعودي، كما أن هناك قبولًا واضحًا وملموسًا من قِبل المؤسسات التي ترعى المهرجانات السينمائية العالمية، وتفاعلًا عربيًّا ملحوظًا مصاحبًا لهذا الحراك، كل ذلك يجعلنا نسأل عن حقيقة هذا التلقي المتنوع والمتوثب لقبول هذا الزخم الإنتاجي للسينما السعودية، على الرغم مما يعتريها من مشكلات فنية ومفاهيمية، فمَن هؤلاء؟ وما دوافع تلقيهم؟ وما توقعاتهم المسبقة؟ وما هي آراؤهم النقدية حول صناعة السينما السعودية؟

التلقي المحلي

من الطبيعي أن يكون الجمهور المحلي هو المستهدف الأول بالنسبة إلى صنَّاع السينما السعودية؛ نلاحظ ذلك من خلال مراقبتهم ومتابعتهم لردود أفعال هذا الجمهور، ومدى تأثرهم بدلالات القبول أو الرفض، خصوصًا عبر منصات التواصل الاجتماعي، لكن دعونا نُسائل هذا الجمهور نفسه، ونفكر فيه، هل لديه استعداد مسبق، أم أنه -مثل أي مجتمع محلي- متحفز للرفض أكثر من القبول، وطرح الأسئلة أكثر من محاولة الاستمتاع بالفن؟ شخصيًّا أعتقد بصعوبة تخطي ذائقة الجمهور المحلي، الذي تختلف تجربة مشاهدته للسينما عن أي تجارب مشاهدة أخرى، سواء لدى المجتمعات العربية أم غير العربية، وسبب هذا الاختلاف عائد إلى مسائل اجتماعية، وسياسية، وفكرية، متداخلة بطريقة عجيبة، كوّنت خصوصية لهذا الجمهور، لا يمكن إنكارها، أضفْ إلى ذلك التباين الكبير بين أجيال وطبقات هذا الجمهور، وسرعة التحولات التاريخية التي مر بها.

الأمر ليس بهذه البساطة، ويحتاج إلى التأمل الجاد من ناحية اختراق مزاجه الجمعي، فالمفترض أن حكايات هذا الإنتاج السينمائي في المقام الأول هي حكاياته، ونوعية تلقيه الحقيقية تشتبك مع الجانب الفكري قبل الجانب الفني، الذي قد يعني المتلقي البعيد (الآخر)، أو الخارج عن حدود دائرته، فإذا كانت تجربة مشاهدة السينما السعودية لمن هم خارج المجتمع المحلي تجربة اكتشاف، فهي بالنسبة إلى المُشاهد المحلي مسألة وجود ومصير، خصوصًا بعد أن أعلنت الدولة -ممثلة في رؤية 2030- دعمها للقطاع الثقافي، والسينما -بوصفها مكونًا ثقافيًا- تُعدّ أهم عناصر هذا القطاع.

ولو ذهبنا نفكر في صعوبة تخطي المزاج العام للجمهور السعودي، الذي ذكرنا سلفًا أنه المستهدف الأول، والذي يُشكِّل قبوله وتفاعله السبب الرئيس في استدامة هذا الإنتاج السينمائي، لأنه في نهاية الأمر هو الجمهور الذي سيذهب إلى شباك التذاكر، وعدم الاعتناء بردود أفعاله ورصدها، يعني تجاهله، وبالتالي خطورة انسحابه أو تراجع اهتمامه على الأقل، فمن الضروري النظر إلى أفق تلقي هذا الجمهور، والعمل على استفزازه الإيجابي، واختراق المناطق الصعبة في مزاجه العام، والتفكير في تعدديته، وتنوع أطيافه، ومستويات التأثير لديه.

من خلال المنتجات السينمائية التي عُرضت في دور السينما يمكننا ملاحظة علامات على هذا الاختراق الفني والمفهومي، مثل الذي حصل مع فيلم «شمس المعارف» الذي حقق المعادلة الصحيحة مع مزاج الجمهور المحلي، وبالتالي باع أكثر من مئة ألف تذكرة، أو مع فيلم «أغنية الغراب» الذي فشل نسبيًّا في تحقيق المعادلة الجماهيرية، وإن كان قد حقق بُعدًا فنيًّا مقبولًا، لكن فيما يخص السينما البديلة التي يهتم بها المثقفون، وليس عموم الجمهور المحلي، وأعتقد أن التجارب خلال الفترة القادمة ستُعاني من هذا المزاج المُتقلب للجمهور السعودي، فالمؤثرات التي تتحكم به لا يمكن التنبؤ بها بسهولة، بين مؤثرات لها علاقة بتكوينه الهوليوودي الذي يميل إلى الضخامة من ناحية الإنتاج، ويتميز بالعراقة وحضور كبار النجوم، ومؤثرات لها علاقة بالوعي الفني المتباين، ومؤثرات لها علاقة بطريقة نظرته للمنتج المحلي في شتى الفنون التعبيرية الأخرى، من تلفزيون وأدب ومسرح، كل ذلك يجعلنا نُؤكد على أهمية دراسة مزاج هذا الجمهور والتنويع في طرق التعامل معه، وعدم الركون إلى النظريات الفنية الجاهزة، فما يصلح لمجتمع آخر قد لا يتوافق مع الجمهور المحلي، كما أن الاستفادة من التجارب السابقة قد تحقق لنا رؤية جزئية، لكنها حتمًا لن تعطينا نظرة أفقية شاملة.

الجميل والحتمي هو جوع وتحفز الجمهور السعودي العريض لهذا النوع من التعبير الفني (السينما)، كما أن تجربة الذهاب إلى السينما تُعدّ تجربة جديدة نسبيًّا، وقد أصبحت مؤخرًا أحد خيارات الاستهلاك الترفيهي العائلية والشبابية، ما قد يجعل البعض يظن أن الفرصة مواتية لاستغلال هذا الجمهور، واستثمار جوعه، بمنتجات فيلمية سريعة تفتقر إلى مقومات جذب الجمهور الحقيقية، الجمهور الذي ذكرنا سلفًا مدى صعوبة مزاجه، ومستوياته المتقلبة، التي قد تؤثر فيها أحداث وأمور لا علاقة لها بالفن على نحو مباشر، مثل الأحداث السياسية، أو موجات الترند على تويتر، وبالتالي قد تخسر السينما السعودية ثقة هذا الجمهور، فينصرف عنها إلى غيرها من الخيارات السينمائية، سواء العالمية أم العربية.

التلقي العربي

أما من ناحية تلقي الجمهور العربي للسينما السعودية، فالواضح حتى هذه اللحظة أنه يُعاني معاناة كبيرة، فإنني شخصيًا لم أرصد أي ردود أفعال من قِبل الجمهور العربي، فإذا استثنينا بطبيعة الحال المتابَعة الخجول من قِبل المهتمين والمتخصصين من نقاد وصُنَّاع عرب، فإن الأمر من دون شك خارج تمامًا من فرضية الحضور والتفاعل الشعبي، ولعل البعض قد يرى أن الجمهور العربي المتمثل في غالبيته داخل مصر، هو جمهور متقوقع ومكتفٍ ذاتيًّا بإنتاجه السينمائي، فأود أن ألفت الانتباه إلى أن هذا الرأي غير دقيق، ومرتبك إلى حد بعيد، ففي الآونة الأخيرة لاحظنا نماذج سينمائية طرفية استحوذت على اهتمام الجمهور المصري، وتفاعل معها على نحو إيجابي، مثل التفاعل الذي حدث بعد صدور الفيلم السوداني «ستموت في العشرين»، أو الفيلم السوداني أيضًا «وداعًا جوليا»، فما المانع أن يتفاعل الجمهور نفسه مع فيلم سعودي؟

أعتقد هنا أن جودة المادة الفيلمية من الناحية الفنية هي المقياس الحقيقي لانتباه هذا الجمهور، وليس شيئًا آخر، فظروف السينما السودانية من ناحية الإنتاج ومن ناحية غياب النجوم، مشابهة لظروف السينما السعودية، كما أن هناك تفاعلًا سابقًا من قِبل الجمهور المصري مع المنتجات التلفزيونية السعودية، مثل التفاعل مع «طاش ما طاش»، فلا وجود لموانع مسبقة غير الموانع الفنية والمفاهيمية، التي من ضمنها وضع هذا الجمهور في عين الاعتبار، ومحاولة استفزازه بالشكل الإيجابي، الذي يحقق ذات المعادلة التي تعتمد على عناصر الجذب الجماهيري، وأعتقد جازمًا بأن لحظة اختراق السينما السعودية لمزاج الجمهور العربي العريض ستكون لحظة فارقة في مسيرتها وتاريخها، لكن ذلك يحتاج إلى وقت وجهد وجدية، لأن هذا الجمهور بطبعه جمهور حيوي وتفاعلي، ويُعدّ الاستهلاك الفني لديه قيمة يومية، يمكن أن تنقل أي صناعة فنية إلى مرتبة مختلفة من حيث التفاعل والحضور، مثل الذي حصل مع الرواية السعودية على سبيل المثال، فقد تم التعامل معها عربيًّا بجدية، إلى الدرجة التي جعلتها تصبح ضمن أفق توقعه على الدوام، وهذا الأمر لم يحصل في يوم وليلة، كما أنه لم يكن ليحصل لولا الحضور الفني والجمالي للرواية السعودية في ذاتها، التي أصبحنا نراها على رفوف المكتبات في العواصم العربية، ولا سيما في مكتبات مصر التي تُعدّ البوابة الأولى والكبيرة للجمهور العربي.

التلقي العالمي

ما يُقال عن التلقي العربي للسينما السعودية، لا يمكن بأي شكل من الأشكال سحبه على التلقي العالمي، فالمتلقي العالمي لم يتسنَّ له مشاهدة الفيلم السعودي إلا من خلال المهرجانات، وفضلًا عن كون هذا المتلقي نوعيًّا، يُلاحَظ عليه تمسكه الخاص بالنظرة الاستشراقية تجاه السينما السعودية، ومعظم المنتجات التعبيرية الأخرى كذلك، تلك النظرة التي تفرض عليه توقعًا معينًا، أو كما يقول إدوارد سعيد النظرة للشرق على أساس كونه بازار العالم، فالمتوقع من السينما السعودية بالنسبة إلى هذا المتلقي هي تقديم سينما تتعلق بالصحراء، بمكوناتها البيئية والإنسانية على سبيل المثال، أو تقديم العالم الغرائبي المرتبط بالنمط العجيب أو المدهش على أقل تقدير.

ولعل دوافع الاكتشاف هذه قد تؤخر عملية التلقي العالمي الطبيعي للسينما السعودية، والمتوقع أن يظل هذا الوضع على حاله، أي حضور السينما السعودية على مستوى المهرجانات فقط، كنوع من إعطاء الفرصة، أو محاولة اكتشاف مناطق فنية مجدبة أو غير مأهولة بالتعبير المجازي والتهكمي، وسواء نظرنا إلى هذا الوضع الاستعلائي بامتعاض، أم تقبلناه برحابة صدر، فالأمر سيستمر حتمًا على ما هو عليه إلى أن تأتي اللحظة التي يُقدّم فيها الفيلم السعودي نفسه على نحو مغاير، ويكسر هذه القاعدة بنفسه، وبالتالي يُدخِل السينما السعودية في حالة تَلَقٍّ مختلفة، فالأمر ليس منوطًا بالمتلقي فقط، بل بالصانع أيضًا، الذي يتوجب عليه أن يقرأ هذه الحالة جيدًا ويحاول أن يقدم ما يربكها، ويزعزع مسلماتها وتوقعاتها المسبقة. وبالنظر إلى التجارب السينمائية لدول من مناطق مختلفة، مثل السينما الكورية، أو السينما الإيرانية، أو السينما الرومانية، وعن علاقتها بالمتلقي العالمي، يمكن اعتبار الموضوع في حيز الممكن لا المستحيل، شريطة تقديم سردية مغايرة تُدرس بعناية وجدية، مع ما يتواءم مع طبيعة الحكاية السعودية ووجودها الأمين في الضمير العالمي، وهذا الأمر دون شك سيحتاج إلى أفق وهامش حرية نوعي، هو اليوم موجود أكثر من أي لحظة سابقة، خصوصًا مع التوجهات الرسمية الجديدة التي تحض بشكل واضح وصريح على الانفتاح على العالم، وعدم التقوقع على الذات، ما يعني أن الخطوة التالية بيد المبدعين من كُتّاب ومخرجين ومنتجين.